تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٢٦
وتضلّ بها مئة ، إلاّ وهو مخبرٌ لهم ـ إن سألوه ـ برعاتها ، وقائدها وسائقها ومواضع نزول ركابها وخيولها ؛ ومَنْ يقتل منها قتلاًَ ، ومَنْ يموت منها موتاً ؛ وهذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادّعاء الرّبوبية ، ولا ادّعاء النبوة ؛ ولكنه كان يقول : إن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمأخبَره بذلك ، ولقد امتحنّا إخباره فوجدناه موافقاً ، فاستدلَلْنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة ، كإخباره عن الضربة التي يُضرب بها في رأسه فتُخضِب لحيته ، وإخباره عن قتل الحسين ابنه عليهماالسلام ؛ وما قاله في كربلاء حيث مرّ بها ، وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده ، وإخباره عن الحجّاج ؛ وعن يوسف بن عمر ؛ وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان . فإن قلت : لماذا قال عن فئة تهدي مئة ؟ وما فائدة التقييد بهذا العدد؟ قلت : لأنّ ما دون المئة حقير تافه لا يعتدّ به ليذكر ويخبَر عنه ، فكأنه قال : مئة فصاعداً . قوله عليه السلام : « كرائه الأُمور » : جمع كريهة وهي الشدّة في الحرب . وحوازب الخطوب : جمع حازب ، وحَزَبه الأمر ، أي دَهمه . وفشل : جبن . فإن قلت : أمّا فشل المسؤول فمعلوم ، فما الوجه في إطراق السائل؟ قلت : لشدة الأمر وصعوبته ؛ حتى إن السائل ليبهت ويدْهش فيطرِق ، ولا يستطيع السؤال . قوله عليه السلام : « إذا قَلَصت حربكم » يروى بالتشديد وبالتخفيف ، ويروى : « عن حربكم » ؛ فمن رواه مشدداً أراد انضمّت واجتمعت ؛ وذلك لأ نّه يكون أشدّ لها وأصعب من أن تتفرّق في مواطن متباعدة ، ومن رواها بالتخفيف أراد كثرت وتزايدت ، من قولهم : قَلَصَتِ البئر ، أي ارتفع ماؤها إلى رأسها أو دونه ، ومن روى : « إذا قلّصت عن حربكم » أراد إذا قلّصت كرائه الأُمور وحوازب الخطوب عن حربكم ، أي انكشفت عنها ، والمضارع من قلَص يَقْلِص بالكسر . قوله : « وشمّرت عن ساق » ، استعارة وكناية ، يقال للجادّ في أمره : قد شمّر عن ساقٍ ؛ وذلك لأنّ سبوغ الذيل مَعْثَرة ، ويمكن أن يجري اللفظ على حقيقته ، وذلك قوله تعالى : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ » [١] فسّروه فقالوا : الساق : الشدّة ، فيكون قد أراد بقوله : « وشمرت عن ساق » ، أي كشفت عن شدّة ومشقة . ثم قال : « تستطيلون أيام البلاء » ؛ وذلك لأنّ أيام البؤس طويلة .
[١] سورة غافر ٤٣.[٢] سورة القلم ٤٢ .