تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٢٢
.ومن كلام له عليه السلام لمّا أراده الناس على البي الْعَاتِبِ ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ؛ وَلَعَلّي أسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمنْ وَلَّيتُمُوهُ أَمْرَكُمْ ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!
الشّرْحُ :
في أكثر النسخ : « لما أراده الناس على البيعة » ، ووجدت في بعضها : « أداره الناس على البيعة » ، فمن روى الأول جعل « على » متعلّقة بمحذوف ، وتقديره « موافقاً » ، ومن روى الثاني جعلها متعلّقة بالفعل الظاهر نفسه ، وهو « أداره » ، تقول : أدرت فلاناً على كذا ، وداورت فلاناً على كذا ، أي عالجته . ولا تقوم له القلوب ، أي لا تصبر . وأغامت الآفاق : غطّاها الغيم ، أغامت وغامت ، وأغيمت وتغيّمت ، [وفي بعض نسخ الشرح : غيّمت] ، كلّه بمعنى ، والمحجّة : الطريق . وتنكّرت : جهلت فلم تعرف . و « وزيراً » و « أميراً » : منصوبان على الحال . وهذا الكلام يحمِلُه أصحابُنا على ظاهره ؛ ويقولون : إنه عليه السلام لم يكن منصوصا عليه بالإمامة من جهة الرسول صلى الله عليه و آله وسلم، وإن كان أوْلى الناس بها وأحقهم بمنزلتها . وتحمله الإمامية على وجهٍ آخر فيقولون : إنّ الذين أرادوه على البَيْعة هم كانوا العاقدين بَيْعة الخلفاء من قبل ، وقد كان عثمان مَنَعهم أو منع كثيرا منهم عن حَقّه من العطاء ؛ لأنّ بني أُميّة استأصلوا الأموال في أيام عثمان ، فلما قُتِل قالوا لعليّ عليه السلام : نبايعك على أن تسيرَ فينا سيرَة أبي بكر وعمر ؛ لأنهما كانا لا يستأثران بالمال لأنفسما ولا لأهلهما ، فطلبوا من عليّ عليه السلام البَيْعة ، على أن يقسّم عليهم بيوت الأموال قسمة أبي بكر وعمر ؛ فاستعفاهم وسألهم أن يطلُبوا غيره ممّن يسير بسيرتهما ؛ وقال لهم كلاما تحته رمز ، وهو قوله : « إنّا مستقبلون أمراً له وجوهٌ وألوان ، لا تقوم له القلوب ؛ ولا تثبت عليه العقول ؛ وإنّ الآفاق قد أغامت ، والمحجّة قد تنكّرت » . قالوا : وهذا كلام له باطنٌ وغَوْر عميق ؛ معناه الإخبار عن غيب يعلمه هو ويجهلونه هم ، وهو الإنذارُ بحرب المسلمين بعضهم لبعض ، واختلافُ الكلمة وظهورُ الفتنة . ومعنى قوله : « له وجوه وألوان » أ نّه موضع شبهة وتأويل ، فمن قائل يقول : أصاب عليّ ، ومن قائل يقول : أخطأ ؛ وكذلك القول في تصويب محارِبيه من أهل الجمل وصِفّين والنّهْروان وتخطِئتهم ، فإنّ المذاهب فيه وفيهم تشعّبت وتفرّقت جداً .