تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣١٤
يكون عذرا وعلّة للفعل ، ولا يجوز أن يكون إقدام آدم على الشجرة لأجل الموافاة للعلم الإلهيّ السابق ؛ ولا يستمرّ ذلك على مذاهبنا ، بل يجب أن ينصب « موافاةً » على المصدرية المحْضَة ؛ كأنه قال : فوافى بالمعصية موافاة ، وطابق بها « سابق العلم » مطابقة . قوله : « فأهبطه بعد التوبة » ، قد اختلف الناس في ذلك ، فقال قوم : بل أهبطه قبل التوبة ، ثم تاب عليه وهو في الأرض . وقال قوم : تاب قبل الهبوط ، وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام ، ويدلُّ عليه قوله تعالى : « فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعا » [١] ، فأخبر عن أنه أهبطهم بعد تلقِّي الكلمات والتوبة . قوله عليه السلام : « وَليُقِيمَ الحجّة على عباده » ، أي إذا كان أبوهم أُخرج من الجنة بخطيئة واحدة فأخْلِقْ بها ألاّ يدخلها ذو خطايا جَمّة . ثم أخبر عليه السلام أنّ الباري سبحانه ما أخْلى عباده بعد قبض آدم وتوفّيه مما يؤكد عليهم حجج الربوبية ، بل أرسل إليهم الرسل قَرْناً فقَرناً ، بفتح القاف ؛ وهو أهل الزمان الواحد . وتعاهدَهُم بالحجج ، أي جَدّد العهد عندهم بها ؛ ويروى « بل تَعَهَّدَهم » بالتشديد ، والتعهّد : التحفّظ بالشيء ؛ تعهّدْتُ فلاناً وتعهّدت ضيْعتي ؛ وهو أفصح من « تعاهدت » ؛ لأنّ التفاعل إنما يكون من شيئين ، وتقول : فلان يتعهده صَرْعٌ . قوله : « وبَلَغ المقطعَ عُذُرُه ونُذُرُهُ » ، مقطع الشيء حيث ينقطع ، ولا يبقى خلفه شيء منه ، أي لم يزل يبعث الأنبياء واحداً بعد واحد ؛ حتى بعث محمدا صلى الله عليه و آله وسلم ، فتمَّتْ به حجته على الخلق أجمعين . وبلغ الأمرُ مقطعه ، أي لم يبق بعده رسول ينتظر ؛ وانتهت عُذُر اللّه تعالى ونُذُره ، فُعُذره مَا بيَّن للمكلَّفين من الإعذار في عقوبته لهم إنْ عَصَوْه ، ونُذُره ما أنذرهم به من الحوادث ، ومَنْ أنذَرَهُمْ على لسانه من الرسل .
الأصْلُ :
.وَقَدَّرَ الْأرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا ، وَقَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ والسَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا ، وَلِيَخْتَبِرَ بِذلِكَ الشُّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَفَقِيرِهَا . ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا ، وَبِسَلاَمَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا ، وَبِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا . وَخَلَقَ الآجَالَ فَأَطَالَهَا وَقَصَّرَهَا ، وَقَدَّمَهَا وَأَخَّرَهَا ، وَوَصَلَ بِالْمَوْتِ
[١] سورة الشعراء ١٨٤ .[٢] سورة البقرة ٣٥ .[٣] سورة البقرة ٣٧ ، ٣٨ .