تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣١٢
وأما مَنْ رواها « وتُزْدَهَى بما أُلبِسَتْه » على ما لم يسمّ فاعله ، فهي اللغة المشهورة . تقول : زُهِي فلان علينا ، وللعرب أحرف تتكلّم بها على سبيل المفعول به ، وإن كانت بمعنى الفاعل ، كقولهم : عُنِي بالأمر ، ونُتِجَت الناقة ، فتقول على هذه اللغة : فلان يُزْدَهى بكذا . والرَّيْط جمع رَيْطة ، وهي المُلاءة غير ذاتِ لفقْين . والأزاهير : النّور ذو الألوان . وسمِطَتْ به : علّق عليها السُّمُوط ، جمع سِمْط وهو العقد ، ومن رواه « شَمَطت » بالشين المعجمة ، أراد ما خالط سواد الرياض من النّوْر الأبيض كالأقحوان ونحوه ، فصارت الرياض كالشعر الأشمط . والنّاضر : ذو النَّضارة ، وهي الحسن والطَّرَاوة . وبلاغاً للأنام ، أي كفاية . والآفاق : النّواحي ، والمنار : الأعلام . وهذا الفصل من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قد اشتمل من الاستعارة العجيبة وغيرها من أبواب البديع على ما لو كان موجودا في ديوان شاعر مكثِر ، أو مترسِّل مكثر لكان مستحقّ التقديم بذلك ؛ ألا تراه كيف وصف الأمواج بأنها مستفحلة ، وأنها ترغو رُغاء فحول الإبل . ثم جعل الماءَ جَمّاحا ، ثم وصفه بالخضوع ، وجعل للأرض كَلْكَلاً ، وجعلها واطئة للماء به ، ووصف الماء بالذلِّ والاستخذاء لمّا جعل الأرض متمعِّكة عليه كما يتمعّك الحمار أو الفرس ، وجعل لها كواهل ، وجعل للذل حَكَمة ، وجعل الماء في حَكَمة الذلَّ منقادا أسيرا ، وساجياً مقهورا . وجعل الماء قد كان ذا نخوة وبأوٍ واعتلاء ، فردّته الأرض خاضعا مسكينا ، وطأطأت من شُموخ أنفه ، وسُموّ غلوائه ، وجعلها كاعمة له ، وجعل الماء ذا كِظّة بامتلائه ، كما تعتري الكظّة المستكثر من الأكل . ثم جعله هامدا بعد أن كانت له نزفات ، ولابدا بعد أن كانت له وثبات ، ثم جعل للأرض أكتافا وعرانين ، وأنوفا وخياشيم ؛ ثم نفى النوم عن وميض البرق ، وجعل الجنوب مارية دِرَرَ السحاب ، ثم جعل للسحاب صدراً وبِوَاناً ، ثم جعل الأرض مبتهجة مسرورة مزدهاة ، وجعل لها ريْطا من لباس الزهور ، وسُموطاً تحلّى بها . فياللّه وللعجب من قوم زعموا أن الكلام إنما يفضُل بعضه بعضا لاشتماله على أمثال هذه الصنعة ، فإذا وجدوا في مئة ورقة كلمتين أو ثلاث منها ، أقاموا القيامة ، ونفخوا في الصور ، وملئوا الصحف بالاستحسان لذلك والاستظراف ، ثم يمرّون على هذا الكلام المشحون كله بهذه الصنعة على ألطف وجه ، وأرصع وجه ، وأرشق عبارة ، وأدق معنى ، وأحسن مقصد ، ثم يحملهم الهوى والعصبية على السّكُوت عن تفضيله إذا أجملوا وأحسنوا ، ولم يتعصبوا لتفضيل غيره عليه ! على أنه لا عجب ، فإنه كلام علي عليه السلام ، وحظّ الكلام حظّ المتكلم ، وأشبه امرأً بعضُ بَزِّهِ!