تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٠٨
.ومنها في صفة الأرض ودحوها على الماء : جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاَطِمِ لِثِقْلِ حَمْلِهَا ، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِأَتْهُ بِكَلْكَلِهَا ، وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا ، فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ ، سَاجِياً مَقْهُوراً ، وَفِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً ، وَسَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ ، وَرَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ ، وَاعْتِلاَئِهِ ، وَشُمُوخِ أَنْفِهِ وَسُمُوِّ غُلَوَائِهِ ، وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ ، فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ ، وَلَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ . فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا ، وَحَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا ، فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا ، وَفَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَأَخَادِيدِهَا ، وَعَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلاَمِيدِهَا ، وَذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا ، فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا ، وَتَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا ، وَرُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَجَرَاثِيمِهَا ، وَفَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَبَيْنَهَا ، وَأَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِها . ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْض الَّتي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا ، وَلاَ تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلى بُلُوغِهَا ، حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا ، وَتَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا . أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاق لُمَعِهِ ، وَتَبَايُنِ قَزَعِهِ ، حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ ، وَالَْتمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ ، وَلَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ ، وَمُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ ، أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً ، قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ ، يَمْرِي الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ، وَدَفعَ شَآبِيبِهِ . فَلَمَّا ألْقَتِ السَّحابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا ، وَبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ ءِ الَمحْمُولِ عَلَيْهَا ، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْض النَّبَاتَ ، وَمِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ ، فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا ، وَتَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ ، أَزَاهِيرِهَا ، وَحِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا ، وَجَعَلَ ذلِكَ بَلاَغاً لِلْأَنَامِ ، وَرِزْقاً لِلْأَنْعَامِ ، وَخَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا ، وَأَقَامَ المَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا .