تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٩٤
أ نّه لم يمثِّل لنفسِه مثالاً قبل شروعه في خلْق العالم ؛ ثم احتذى ذلك المثال ؛ ورُكّب العالم على حسب ترتيبه ، كالصانع الذي يصوغ حلْقة من رصاص مثالاً ، ثم يصوغ حلقة من ذهب عليها ، وكالبنّاء يقدر ويفرض رسوما وتقديراتٍ في الأرض وخطوطا ، ثم يبني بحسبها . والوجه الثاني : أ نّه يريد بامتثَله احتذاه وتقبّله واتبعه ، والأصل فيه امتثال الأمر في القول ، فنقل إلى احتذاء الترتيب العقلي ، فيكون التقدير أ نّه لم يمثِّل له فاعل آخر قبله مثالاً اتبعه واحتذاه وفعل نظيره ، كما يفعل التلميذ في الصباغة والنجارة شيئا قد مثّل له أُستاذُه صورتَه وهيئته . فأمّا معنى الفصل فظاهر ، يقول عليه السلام : إنه ابتدع الخلق على غير مثال قدمه لنفسه ولا قدم له غيره ليحتذي عليه ، وأرانا من عجائب صنعته ومن اعتراف الموجودات كلِّها ، بأنها فقيرة محتاجة إلى أنْ يمسكها بقوته ، ما دلّنا على معرفته ضرورة ، وفي هذا إشارة إلى أنّ كلّ ممكن مفتقر إلى المؤثر ، ولما كانت الموجودات كلَّها ـ غيره سبحانه ـ ممكنة ، لم تكن غَنِيّة عنه سبحانه ، بل كانت فقيرة إليه ؛ لأنها لولاه ما بقيت ، فهو سبحانه غنيّ عن كلّ شيء ، ولا شيء من الأشياء مطلقا بغنىً عنه سبحانه ، وهذه من خصوصية الإلهية ، وأجلّ ما تدركه العقول من الأنظار المتعلّقة بها . ثم قال عليه السلام : وظهرت آثار صنعته ، ودلائل حكمته في مخلوقاته فكانت وهي صامتة في الصورة ناطقة في المعنى بوجوده وربوبيته سبحانه ، وإلى هذا المعنى نظر الشاعر [١] فقال : فَوَعَجَبا كَيْفَ يُعْصَى الإلهُ أمْ كيف يجحدُه الجاحِدُ! وَفِي كُلِّ شيء له آيةٌ تَدُلُّ على أنّهُ وَاحِدُ وقال في تفسير قوله تعالى : « وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » [٢] : إنه عبارة عن هذا المعنى .
الأصْلُ :
.فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ ، وَتَلاَحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ ، وَلَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لاَ
[١] أبو العتاهية ، ديوانه ٦٩ ، ٧٠ .[٢] سورة الإسراء ٤٤ .