تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٩
وصفات الخالق وغيرها .. فهذا كلام لا يصحّ ؛ لأنّ من يطالع النهج لا يجد فيه نظرية كاملة يحتاج في معرفتها إلى درس واستقراء ، حتى يُحتجّ باشتماله على علوم لم تُعرف إلاّ بعد زمن طويل . ثم لو أخذنا بهذا الشكل من التشكيك ، لَلَزم إنكار جذور علم الكلام الذي ظهرت بوادره منذ نزول القرآن الكريم حين يستدلّ على وجود الخالق ، أو نفي الآلهة ، وللزم أن إنكار مواهب الإمام وعلمه الذي هو مِن علم النبي صلى الله عليه و آله وسلموتجاربه وعصمته ، وأنّه عليه السلام هو القرآن الناطق . ثامناً ـ أمّا اُسلوبه ، وما فيه من صناعة لفظية من سجع ، وطباق ، ومقابلة ، وازدواج ... فإنّها وإن اشتهرت في العصور العباسية ، لكنها ليست مبتدعة في السبك العربي كي يوجب وجودها في النهج الشك في نسبته للإمام عليه السلام . فهذا القرآن الكريم معجزة البلاغة جاء حافلاً بالمحسنات على أسمى مثال ، كسورة الرحمن ، والقمر وغيرهما ، وهذه خطب الرسول صلى الله عليه و آله وسلموالخلفاء وكتبهم ، بعضها مسجوعة ، وقد عقد الدكتور زكي مبارك فصلاً في كتابه (النثر الفني) [١] لدراسة أساليب صدر الإسلام ، وأورد فيه نصوصاً كثيرة مسجوعة ، يُعرف منها قيمة القول : بأنّ السجع من خصائص العصور المتأخرة من أيام العباسيين . وأمّا المطابقة والجناس والتقابل وغيرها من أنواع البديع فهو كثير في القرآن ، ومجيؤها في النهج لا يعني بحال أنّه منحول البتة . وقد جاءت أساليب الإمام منمّقة لا تكلّف فيها ولا عقد ولا التواء . وما يقال عن الأُسلوب ، يقال عن دقة الوصف ، كما في وصفه للطاوس ، والخفاش ، والجراد وغيرها . ولا يُستبعد صدوره ممن تتلمذ للقرآن الكريم ، الذي فيه من دقائق الوصف للحيوانات وغيرها ، كما في الآيات التي ورد فيها ذكر النحل ، والنمل ، والبعوضة ، والغراب . كما أنّ من تتلمذ للقرآن الكريم ، الذي فيه من آيات التوحيد الباهرات ، وصفات الخالق العظيم ، لا يُستكثر عليه أن يأتي بأمثال هذه الأفكار الدقيقة في التوحيد ، والعدل ، والرؤية ، كقوله عليه السلام : « من حدّه فقد عدّه » . والصحيح أن يقال : إنّ اُسلوب الإمام عليه السلام بزّ اُسلوب البلغاء جميعاً ، ولهذا كان كلامه فوق
[١] وفيات الأعيان ، ابن خلكان ٣/٣١٣ ، تحقيق د . إحسان عباس ، دار الثقافة ـ بيروت ، اُفست عن طبعة دار صادر ١٩٧٢ م .[٢] حقائق التأويل ، الشريف الرضي ، شرح العلاّمة محمد الرضا آل كاشف الغطاء ، المطبوع الجزء الخامس من الكتاب، ص١٦٧ مسألة ١٨، طبعة دارالكتب الإسلامية ـ قم، أو ص٢٨٧ طبعة مؤسسة البعثة ـ طهران ١٤٠٦ه .[٣] المجازات النبوية ، الشريف الرضي ، ص٣٩ ـ ٤٠ ، تحقيق طه محمد الزيني .[٤] مروج الذهب ، المسعودي ٢/٤١٧ ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، مطبعة السعادة ، مصر ١٩٤٨ م .[٥] مشاكلة الناس لزمانهم ، ص١٥ .[٦] مجلة المقتطف : المجلد ٤٢ ، ج٣ ص٢٤٨ الصادرة في آذار ١٩١٣ م .[٧] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ١٠/١٢٨ـ ١٢٩ .[٨] نهج البلاغة ، ص٤٧ الخطبة ٣٢ .[٩] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ٢/١٧٥ ؛ وراجع البيان والتبيين ، الجاحظ ٢/٥٦ ـ ٥٨ ، تحقيق وشرح السندوبي ، الطبعة الأُولى ١٣٤٥ ه / ١٩٢٧ م ، المطبعة الرحمانية ـ مصر .[١٠] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ١/٧ .[١١] ميزان الاعتدال ، الذهبي ٣/١٢٤ رقم ٥٨٢٧ ، تحقيق علي محمد البجاوي ، دار الفكر ـ بيروت .[١٢] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ٢٠/١٧ ـ ٣٥ .[١٣] مصدق بن شبيب بن الحسين الصلحي الواسطي ؛ ذكره القفطي في إنباه الرواة ٣/٢٧٤ ، وقال : إنّه قدم بغداد ، وقرأ بها على ابن الخشاب ، وحبشي بن محمد الضرير ، وعبد الرحمن بن الأنباري وغيرهم ، وتوفي ببغداد سنة (٦٠٥ ه) .[١٤] أبو القاسم البلخي عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي ، كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم (الكعبية) ، من آرائه : أنّ اللّه سبحانه وتعالى ليست له إرادة وأن جميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة ولا مشيئة منه لها . (توفي ٣١٩ ه) ، وفي الأعيان وفاته (٣١٧ ه) ، ذكره النديم في الفهرست ، ص٣٥٧ تحقيق رضا تجدّد ـ طهران ١٣٩١ ه ، وقال : « كان من أهل بلخ ، يطوف البلاد ويجول الأرض ؛ حسن المعرفة بالفلسفة والعلوم القديمة ... ورأيت بخطّه شيئاً كثيراً في علوم كثيرة مسودات ودساتير لم يخرج منها إلى الناس كتاب تام » . وراجع وفيات الأعيان ، ابن خلكان ٣/٤٥ رقم ٣٣٠ مصدر سابق ؛ الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية ، عبد القادر بن محمد الحنفي ٢/٢٩٦ رقم ٦٩٣ تحقيق د . عبد الفتاح محمد الحلو ، مكتبة الإيمان ، اُفست عن طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه ١٣٩٨ ه ـ القاهرة .[١٥] هو أبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَة الرازي ؛ من متكلّمي الشيعة وحذاقهم ، وله من الكتب ، كتاب الإنصاف في الإمامة . توفي بعد سنة (٣٢٨ ه) ؛ الفهرست ، الطوسي ص٢٠٧ رقم ٥٩٦ مصدر سابق ؛ فهرست النديم ، ص٢٢٥ ، الفن الثاني من المقالة الخامسة ، مصدر سابق .[١٦] شرح نهج البلاغة ١/٢٠٥ .[١٧] مروج الذهب ، المسعودي ٢/٤١٧ ، مصدر سابق ؛ ومشاكلة الناس لزمانهم ، اليعقوبي ، ص١٥ .[١٨] سورة الجن ٢٦ و ٢٧ .[١٩] أساس البلاغة ، الزمخشري ، ص١٥ الطبعة الأُولى ١٩٩٢ م ، دار بيروت للطباعة والنشر ، على مطابع دار صادر .[٢٠] النثر الفني ، زكي مبارك ١/٧٥ .[٢١] انظر في هذا المجال : مدارك نهج البلاغة ، الشيخ هادي كاشف الغطاء ؛ مصادر نهج البلاغة ، الشيخ عبد اللّه نعمة ؛ ومصادر نهج البلاغة ، للمحقّق السيد عبد الزهراء الخطيب ؛ وغيرها .[٢٢] النثر الفني ١/٨١ ، مصدر سابق .[٢٣] مدارك نهج البلاغة ودفع الشبهات ، الشيخ هادي كاشف الغطاء ، ص١٩٧ .