تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٨٢
فهي الهيئة كالجِلْسة من الجلوس . قوله : « واعتزام من الفتن » ، كأنه جعل الفِتَن معتزِمة ، أي مريدة مصمّمة للشّغب والهرْج . ويروى : « واعتراض » ، ويروى : « واعترام » بالراء المهملة من العُرام ، وهي الشِرّة . والتلظّي : التلهّب . وكاسفة النور : قد ذهب ضوؤها ، كما تكسف الشمس . ثم وصفها بالتغير وذبول الحال ، فجعلها كالشجرة التي اصفرَّ ورَقها ويبِس ثمرها . وأعور ماؤها ، والإعوار : ذهاب الماء ، فلاة عَوْراء : لا ماء بها . ومَنْ رواه : « وإغوارٍ من مائها ، بالغين المعجمة ، جعله من غار الماء ، أي ذهب ، ومنه قوله تعالى : « أَرَأَيْتُمْ إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرا » [١] . ومتهجّمة لأهلها : كالحة في وجوههم . ثم قال : « ثمرها الفتنة » أي نتيجتها وما يتولّد عنها . « وطعامها الجيفة » ، يعني أكل الجاهلية الميتة ، أو يكون على وجه الاستعارة ، أي أكلها خبيث . ويروى « الخِيفة » أي الخوف ، ثم جعل الخوف والسيف شعارها ودثارها ، فالشعار ما يلِي الجسد ، والدِّثار فوق الشعار ، وهذا من بديع الكلام ومن جيِّد الصناعة ؛ لأ نّه لما كان الخوفُ يتقدَّم السيف والسيف يتلُوه ، جعلَ الخوف شِعارا ؛ لأ نّه الأقربُ إلى الجسد ، وجعل الدّثار تاليا له . ثم قال : « واذكروا تيك » كلمة إشارة إلى المؤنثة الغائبة ، فيمكن أن يعني بها الدنيا التي تقدّم ذكرها ، وقد جعل آباءهم وإخوانهم مرتهنَين بها ومحاسبين عليها ، والارتهان : الاحتباس ، ويمكن أن يعني بها الأمانة التي عرضت على الإنسان فحملها ، والمراد بالأمانة الطاعة والعبادة وفعل الواجب وتجنّب القبيح . وقال : « تيك » ولم يجر ذكرها ، كما قال تعالى : « الم * ذَلِكَ الكِتَابُ » [٢] ولم يجرِ ذكره ؛ لأنّ الإشارة إلى مثل هذا أعظم وأهيب وأشدّ روعة في صدر المخاطَب من التصريح . قوله : « ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب » ، أي لم يطل العهد ؛ والأحقاب : المدد المتطاولة ، والقرون : الأُمم من الناس . وقوله : « من يوم كنتم » ؛ يروى بفتح الميم من « يوم » على أنه مبنيّ ؛ إذ هو مضاف إليه الفعل المبني ؛ ويروى بجرّها بالإضافة ؛ على اختلاف القولين في علم العربية . ثم اختلفت الرواية في قوله : « واللّه ما أسمعكم » فروي بالكاف وروي « أسمعهم » ،
[١] سورة الملك ٣٠ .[٢] سورة البقرة ١ ، ٢ .