تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٨٠
زمانهم من الشيب ، وولاة السوء ، وتنكّر الوقت ؛ وسمَّى المشقّةَ عتْبا ؛ لأنّ العَتْب مصدر عَتَب عليه ، أي وَجَد عليه ، فجعل الزمانَ كالواجد عليهم ، القائم في إنزال مشاقّه بهم مقامَ الإنسان ذي الموجدَة يعتِب على صاحبه . وروي « من عَتَب » ، بفتح التاء جمع عتَبة ؛ يقال : لقد حُمِل فلان على عتَبة ، أي أمر كريه من البلاء ؛ وفي المثل : « مافي هذا الأمر رتَب ولا عتَب » ، أي شدة . وروي أيضا « من عَنَتٍ » وهو الأمر الشاقّ . وما استدبروه من خَطْب ؛ يعني به ما تصرّم عنهم من الحروب والوقائع التي قَضَوْها ونضوها واستدبروها . ويروى : « واستدبرتم من خِصْب » ؛ وهو رخاء العيش ؛ وهذا يقتضي المعنى الأول ، أي وما خلّفتُم وراءكم من الشباب والصحّة وصفو العيشة . ثم قال : « وما كل ذي قلب بلبيب ... » الكلام إلى آخره ، وهو مأخوذ من قول اللّه تعالى : « لَهُمْ قُلوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا » [١] . ثم تعجّب من اختلاف حجج الفرق في الدّين وخطئهم وكونهم لا يتبعون أقوالَ الأنبياء ، ولا أقوال الأوصياء ، ثم نَعَى عليهم أحوالهم القبيحة ، فقال : إنهم لا يؤمنون بالغيب ، أي لا يصدقون بما لم يشاهدوه ، ولا يكفُّون عن الأُمور القبيحة ، لكنهم يعملون في الشبهات ، أي يعملون أعمالاً داخلة في الشبهات متوسطة لها . ويسيرون في الشهوات ، جعل الشهوات كالطريق التي يسير فيها الإنسان . ثم قال : المعروف فيهم ما عرفوه ، أي ليس المعروف عندهم ما دلّ الدليل على كونه معروفا وصوابا وحَقّا ، بل المعروف عندهم ما ذهبوا إلى أنه حَقّ ، سواء كان حقّا في نفس الأمر أو لم يكن ، والمنكر عندهم ما أنكروه كما شرحناه في المعروف . ثم قال : إنهم لا يستشيرون بعالم ، ولا يستفتون فقيهاً فاضلاً ، بل مفزعهم في الأُمور المشكلة إلى أنفسهم وآرائهم ، ولقد صدق عليه السلام ، فإن هذه صفات مَنْ يدّعي العلم والفضل في زماننا وقبله بدهر طويل ، وذلك أنهم يأنفون من التعلّم والاسترشاد ، فالبادئ منهم يعتقد في نفسه أنه أفضلُ من البارع المنتهي . ثم قال : « كأنّ كلّ واحد منهم إمام نفسه » ، ويروى بحذف « كأنّ » وإسقاطها ، وهو أحسن .
[١] سورة القصص ١١ .[٢] سورة الأعراف ١٧٩ .