تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٧٤
وقوله : « فالصورة صورة إنسان ... » وما بعده ، فمراده بالحيوان هاهنا الحيوان الأخرس كالحِمار والثور ، وليس يريد العموم ؛ لأنّ الإنسان داخل في الحيوان ، وهذا مثل قوله تعالى : « إنْ هُمْ إلاَّ كالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً » [١] . قوله : « وذلك مَيّت الأحياء » كلمة فصيحة ، وقد أخذها شاعر فقال : لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَراحَ بِمَيْتٍ إنَّمَا الميْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ إلاّ أن أمير المؤمنين عليه السلام أراد لجهله ، والشاعر أراد لبؤسه . وتُؤفكُون : تقلبون وتصرَفُون . والأعلام : المعجزات هاهنا ؛ جمع عَلَم ، وأصله الجبل أو الراية والمنارة ، تنصَب في الفَلاة ليهتدى بها . وقوله : « فأيْنَ يُتاه بكم ! » أي أين يذهب بكم في التيه ! ويقال : أرضٌ تَيْهاء يتحيَّر سالكها . وتَعمَهُون : تتحيّرون وتَضِلّون . وعِتْرَة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : أهلُه الأدْنَوْن ونسله ؛ وليس بصحيح قول مَنْ قال : إنّهم رهطُه وإن بعدوا ؛ وقد بَيّن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم عِتْرتَه مَنْ هي ، لما قال : « إنّي تارك فيكم الثَّقَلَيْن » ، فقال : « عِترتي أهل بيتي » ، وبيّن في مقام آخر مَن أهلُ بيته حيث طرح عليهم كساء . وقال حين نزلت : « إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه ُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ » [٢] : « اللهم هؤلاء أهلُ بيتي فأذهب الرجس عنهم » . فإن قلت : فمَنْ هي العِتْرة التي عناها أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الكلام؟ قلت : نفسه وولداه ؛ والأصْلُ في الحقيقة نفسه ؛ لأنّ ولديه تابعان له ؛ ونسبتهما إليه مع وجوده كنسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المشرقة ، وقد نبّه النبي صلى الله عليه و آله وسلم على ذلك بقوله : « وأبوكما خير منكما » . وقوله : « وهم أزمّة الحقّ » : جمع زمام ؛ كأنه جعل الحقّ دائراً معهم حيثما داروا ، وذاهبا معهم حيثما ذهبوا ، كما أن الناقة طَوْع زمامها ، وقد نبَّه الرسول صلى الله عليه و آله وسلم على صِدْق هذه القضية بقوله : « وأدِر الحقّ معه حيث دار » . وقوله : « وألسنة الصّدق » من الألفاظ الشريفة القرآنية ، قال اللّه تعالى : « وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ » [٣] ، لما كان لا يصدرُ عنهم حكم ولا قول إلاّ وهو موافق للحق والصواب ؛
[١] سورة الفرقان ٤٤ .[٢] سورة الأحزاب ٣٣ .[٣] سورة الشعراء ٨٤ .