تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٧٠
علم الطريقة والحقيقة علمهم ، وهو تصريح بحال العارف ومكانته من اللّه تعالى . واعلم أن الصفات والشروط والنعوت التي ذكرها في شرح حال العارف ، إنما يعني بها نفسَه عليه السلام ؛ وهو من الكلام الذي له ظاهر وباطن ؛ فظاهره أن يشرح حال العارف المطلق ، وباطنه أن يشرح حال عارف معيّن ، وهو نفسه عليه السلام . وسيأتي في آخر الخطبة ما يدلّ على ذلك . ونحن نذكر الصفات التي أشار عليه السلام إليها واحدة واحدة : فأوّلُها : أن يكون عبدا أعانه اللّه على نفسه ، ومعنى ذلك أن يخصّه بألطاف ، يختار عندها الحَسن ويتجنّب القبيح ، فكأنه أقام النفس في مقام العدوِّ ، وأقام الألطافَ مقام المعونة التي يمدّه اللّه سبحانه بها ، فيكسِر عادية العدوّ المذكور ؛ وبهذا الاعتبار سمّى قومٌ من المتكلمين اللطف عَوْنا . وثانيها : أن يستشعر الحزن ، أي يحزن على الأيام الماضية ، إن لم يكن اكتسب فيها من موجبات الاختصاص أضعاف ما اكتسبه . وثالثها : أن يتجلببَ الخوف ، أي يخاف من الإعراض عنه ، بأن يصدر عنه ما يمحوه من جريدة المخلِصين . ورابعها : أن يُعِدّ القِرَى لضيف المنيّة ، وذلك بإقامة وظائف العبادة . وخامسها : أن يقرّب على نفسه البعيد ، وذلك بأن يمثّل الموت بين عينيه صباحا ومساءً ، وألاّ يطيل الأمل . وسادسها : أن يهوّن عليه الشدائد ؛ وذلك باحتمال كُلَف المجاهدة ورِياضة النفس على عمل المشاقّ . وسابعها : أن يكون قد نظر فأبصر ، وذلك بترتيب المقدّمات المطابقة لمتعلّقاتها ترتيبا صحيحا ، لتنتج العلم اليقيني . وثامنها : أن يذكر اللّه تعالى فيستكثرَ من ذكره ؛ لأنّ ذكره سبحانه والإكثار منه ، يقتضي سكونَ النفس وطُمأْنينتها ، كما قال تعالى : « أَلا بِذِكْر اللّه ِ تَطْمَئِنُّ الْقُلوبُ » [١] . وتاسعها : أن يرتوِيَ من حبّ اللّه تعالى ، وهو العذب الفُرات ، الذي سهل موارده على من
[١] سورة البقرة ٢٥٦ .[٢] سورة الرعد ٢٨ .