تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٠٤
المستَحقّ ، أو بتوبةٍ كاملة الشروط . وكلا الأمرين لا يصحُّ من المكلّفِين إيقاعهُ إلاّ في الدنيا ؛ فإنّ الآخرة ليست دارَ تكليف ، ليصحّ من الإنسان فيها عمل الطاعة والتوبة عن المعصية السالفة ؛ فقد ثبت إذا أن الدنيا دارٌ لا يسلم مِنْها إلاّ فيها . إن قيل : بَيّنُوا أن الآخرةَ ليست بدار تكليف . قيل : قد بَيّن الشيوخُ ذلك بوجهين : أحدُهما : الإجماعُ على المنع مِنْ تجويز استحقاق ثواب أو عقاب في الآخرة . والثاني : أن الثوابَ يجب أن يكون خالصا من المشاقّ ؛ والتكليف يستلزم المشقّة ؛ لأنها شرطٌ في صحته ؛ فبطل أن يجوز استحقاق ثواب في الآخرة للمكلّفين المُثَابين في الآخرة . فأمّا قوله عليه السلام : « ولا يُنْجَى بشيء كَانَ لها » فمعناه أنّ أفعال المكلّف التي يفعلها لأغراضه الدنيويّة ليست طريقا إلى النجاة في الآخرة ، كمن ينفق ماله رئاء الناس ؛ وليست طرقُ النجاة إلاّ بأفعال البرّ التي يقصد فيها وجه اللّه تعالى لا غير ، وقد أوضح عليه السلام ذلك بقوله : « فما أخذُوه منها لها أخرجوا منه ، وحوسبوا عليه ، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه وأقاموا فيه » . فمثال الأول من يكتسب الأموال ويدّخرها لملاذّه ، ومثال الثاني من يكسبها لينفقها في سبيل الخيرات والمعروف . ثم قال عليه السلام : « وإنّها عند ذوِي العقول كفيء الظلّ ... » إلى آخر الفصل ؛ وإنما قال : « كفيء الظلّ » ؛ لأنّ العرب تضيف الشيءَ إلى نفسه . ويمكن أن يقال : الظلّ أعمّ من الفيء ؛ لأنّ الفيء لا يكون إلاّ بعد الزوال ، وكلّ فيء ظلٌّ ، وليس كلّ ظلٍّ فيئا ، فلما كان فيهما تغايرٌ معنويٌّ بهذا الاعتبار صحّت الإضافة . والسابغ : التامّ . وقَلَص ، أي انقبض . وقوله عليه السلام : « بينا تراه » ، أصل « بينا » « بين » ، فأُشبعت الفتحة ، فصارت « بينا » على وزن « فَعْلى » ، ثم تقول « بينما » فتزيد « ما » ، والمعنى واحد ، تقول بينا نحن نرقبه أتانا ، أي بين أوقاتِ رقْبتنا إياه أتانا .