تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٩٦
وفي هذا الفصل مسائل : الأُولى : في تفسير قوله عليه السلام : « فاقتلوه ولن تقتلوه » فنقول : إنه لا تنافيَ بين الأمر بالشيء والإخبار عن أنه لا يقع ، كما أخبر الحكيم سبحانه عَنْ أنّ أبا لَهب لا يؤمن وأمرَه بالإيمان ، وكما قال تعالى : « فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ » [١] ، ثم قال : « وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدا » [٢] ،وأكثر التكليفات على هذا المِنْهاج . المسألة الثانية : في قوله عليه السلام : « يأمركم بسبِّي والبراءة مني » ، فنقول : إن معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ عليّ عليه السلام والبراءة منه . وخطب بذلك على منابر الإسلام ، وصار ذلك سنة في أيام بني أُميّة إلى أنْ قام عمر بن عبد العزيز فأزاله . المسألة الثالثة : في معنى قوله عليه السلام : « فسبّوني ، فإنه لي زكاة ، ولكم نجاة » ، فنقول : إنه أباح لهم سبَّه عند الإكراه ؛ لأنّ اللّه تعالى قد أباح عند الإكراه التلفّظ بكلمة الكفر ؛ فقال : « إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ » ، والتلفّظ بكلمة الكفر أعظم من التلفظ بسبّ الإمام . فأمّا قوله : « فإنه لي زكاة ولكم نجاة » ؛ فمعناه أنكم تنجون من القتل إذا أظهرتم ذلك ، ومعنى الزكاة يحتمل أمرين : أحدهما : ما ورد في الأخبار النبويّة أن سبّ المؤمن زكاة له وزيادة في حسناته . والثاني : أن يريد به أن سبَّهم لي لا ينقص في الدنيا مِنْ قدري ، بل أزيد به شَرَفا وعُلُوَّ قدر ، وشياع ذكر ؛ وهكذا كان ، فإن اللّه تعالى جعل الأسباب التي حاول أعداؤه بها الغضّ منه عللاً لانتشار صيته في مشارق الأرض ومغاربها . فإن قلت : أيّ مناسبة بين لفظ « الزكاة » وانتشار الصيت والسّمع؟ قلت : لأنّ الزكاة هي النماء والزيادة ؛ ومنه سميت الصدقة المخصوصة زكاة ؛ لأنها تنمي المال المزكّى ، وانتشار الصيت نماء وزيادة . المسألة الرابعة : أن يقال : كيف قال عليه السلام : « فأمّا السبُّ فسُبُّوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة ، وأمّا البراءة فلا تبرءوا مني » ؟ وأيّ فرق بين السبّ والبراءة ؟ وكيف أجاز لهم السبّ ومنَعهم عن التبرّؤ ، والسبّ أفحش من التبرُّؤ!
[١] سورة البقرة ٩٤ .[٢] سورة الجمعة ٧ .