تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٩٠
الرجل بالماء ، أي روى وشفى غليله ، ينقع . ونقع الماء الصدي ينقع ، أي سكّنه . فأزمعوا الرحيل، أي اعزموا عليه ، يقال : أزمعت الأمر ، ولا يجوز أزمعت على الأمر ؛ وأجازه الفرّاء . قوله : « المقدور على أهلها الزوال » ، أي المكتوب ، قال : { واعْلم بأنّ ذَا الجلال قد قَدَرْ في الصحف الأُولى الذي كان سُطِرْ } أي كتب . والوُلّه العجال : النُّوق الوالهة الفاقدة أولادَها ، الواحدة عَجُول ، والوَلَه : ذهاب العقل وفقْد التمييز . وهدِيل الحمام : صوت نوحه . والجؤار : صوت مرتفع . والمتبتِّل : المنقطع عن الدنيا . وانماث القلب ، أي ذاب . وقوله : « ولو لم تبقوا شيئا من جُهْدكم » اعتراض في الكلام . وأنعمه ، منصوب ؛ لأ نّه مفعول « جزت » . وفي هذا الكلام تلويح وإشارة إلى مذهب البغداديّين من أصحابنا في أنّ الثواب على فعل الطاعة غير واجب ؛ لأ نّه شكر النعمة ، فلا يقتضي وجوبَ ثواب آخر ؛ وهو قوله عليه السلام : « لو انماثت قلوبكم انمياثاً ... » إلى آخر الفصل . وأصحابنا البصريون لا يذهبون إلى ذلك ، بل يقولون : إنّ الثواب واجب على الحكيم سبحانه ؛ لأ نّه قد كلّفنا ما يشقّ علينا ، وتكليف المشاقّ كإنزال المشاقّ ، فكما اقتضت الآلام والمشاقّ النازلة بنا من جهته سبحانه أعواضا مستحقّة عليه تعالى عن إنزالها بنا ، كذلك تقتضي التكليفات الشاقّة ثوابا مستحَقّا عليه تعالى عن إلزامه إيانا بها . فإن قيل : فعلَى ماذا يُحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، وفيه إشارة إلى مذهب البغداديين؟ قيل : إنه عليه السلام لم يصرح بمذهب البغداديين ؛ ولكنه قال : لو عبدتموه بأقصى ما ينتهي الجُهْد إليه ما وفّيتم بشكر أنعمِه ، وهذا حقٌّ غيرُ مختلف فيه ؛ لأنّ نعم البارئ تعالى لا تقوم العباد بشكرها ، وإن بالغوا في عبادته والخضوع له والإخلاص في طاعته ؛ ولا يقتضي صدق هذه القضية وصحتها صحةَ مذهب البغداديين في أنّ الثواب على اللّه تعالى غيرُ واجب ؛ لأنّ التكليف إنما كان باعتبار أنه شكر النعمة السالفة . ومنها في ذكر يوم النحر وصفة الأضحية : وَمِنْ تَمَامِ الأُضْحِيَةِ اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا ، وَسَلاَمَةُ عَيْنِهَا ، فَإِذَا سَلِمَتِ الْأُذُنُ وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الْأُضْحِيَةُ وَتَمَّتْ ، وَلَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى الْمَنْسَكِ .