تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٧٦
.ومن خطبة له عليه السلام وَلاَ مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ ، الَّذِي لاَ تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ ، وَلاَ تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ . وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا الْفَنَاءُ ، وَلِأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاَءُ ، وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَة ، وَقَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ ، وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ ؛ فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ ، وَلاَ تَسْأَلُوا فِيهَا فَوْقَ الْكَفَافِ ، وَلاَ تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاَغِ [١] .
الشّرْحُ :
مُنِي لها الفناء ، أي قُدّر . والجَلاء ، بفتح الجيم : الخروج عن الوطن ، قال سبحانه : « وَلَوْلاَ أنْ كَتَبَ اللّه ُ عَلَيْهِمُ الجَلاَءَ » [٢] . وحلوة خَضِرة ؛ مأخوذ من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « إنّ الدنيا حُلْوة خَضِرة ، وإنّ اللّه مستخلِفُكم فيها فناظر كيف تعملون » . والكَفاف من الرزق : قَدْر القُوت ؛ وهو ما كَفَّ عن الناس ، أي أغنى . والبلاغ والبُلْغة من العيش : ما يُتَبَلَّغُ به . واعلم أنّ هذا الفصل يشتمِلُ على فصلين من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، أحدُهما : حَمْد اللّه والثناء عليه إلى قوله : « ولا تُفْقَدُ له نِعْمة » ، والفصل الثاني : ذكر الدنيا إلى آخر الكلام ؛ وهما من خطبتين ؛ وأحدُهما غيرُ مختلط بالآخر ولا مَنْسُوقٍ عليه ؛ ولكنّ الرضيّ رحمه الله تعالى يلتقط كلامَ أمير المؤمنين عليه السلام التقاطا ، ولا يقفُ مع الكلام المتوالي ؛ لأنّ غرضَه ذكرُ فصاحتِه عليه السلام لا غير ، ولو أتى بخُطَبِه كلِّها على وجهها لكانت أضعافَ كتابه الذي جَمَعه .
٤٦
الأصْلُ :
.ومن كلام له عليه السلام عند عزمه على المسير إلى ا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ
[١] مقنوط : من القنوط وهو اليأس . مخلوٍّ : من خلا إذا انفرد ومضى ، ترك . مستنكف : من الاستنكاف وهو الاستكبار .[٢] سورة الحشر ٣ .