تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٧٤
.ومن كلام له عليه السلام وقد أشار عليه أصحابه بالا خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ . وَلكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِيرٍ وَقْتا لاَ يُقِيم بَعْدَهُ إِلاَّ مَخْدُوعا أَوْ عَاصِيا . وَالرَّأْيُ عِنْدِي مَعَ الْأنـَاةِ فَأَرْوِدُوا ، وَلاَ أَكْرَهُ لَكُمُ الاْءِعْدَادَ . وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هـذَا الْأَمْرِ وَعَيْنَهُ ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ ، فَلَمْ أَرَ لِي فِيهِ إِلاَّ الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ . إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الْأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثا ، وَأَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالاً ، فَقَالُوا ، ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا .
الشّرْحُ :
أرْوِدوا ، أي ارْفُقوا ، أرْوَد في السّير إروادا ، أي سار برِفْق . والأناة : التثبّت والتأنّي . ونهيه لهم عن الاستعداد ، وقوله بعد : « ولا أكره لكم الإعداد » غيرُ متناقض ؛ لأنّه كَره منهم إظهار الاستعداد والجَهْر به ، ولم يكره الإعداد في السّر ، وعلى وجه الخفاء والكتمان ؛ ويمكن أن يقال إنّه كرِه استعداد نفسه ، ولم يكره إعداد أصحابه ؛ وهذان متغايران . وهذا الوجهُ اختاره القطب الراونديّ . ولقائل أن يقول : التعليلُ الذي علّل به عليه السلام يقتضي كراهيَة الأمْرين معا ، وهو أن يتّصل بأهل الشام الاستعداد ، فيرجعوا عن السلّم إلى الحرب ؛ بل ينبغي أن تكونَ كراهته لإعداد جيشه وعسكره خيولَهم وآلات حربهم أوْلَى ؛ لأنّ شياع ذلك أعظمُ من شياع استعداده وحْدَه ، لأنّه وحدَه يمكن أن يكتُم استعداده ، وأمّا استعداد العساكر العظيمة ، فلا يمكن أن يُكْتَم ، فيكون اتّصالُه وانتقاله إلى أهل الشام أسرَع ، فيكون إغلاق الشام عن باب خيرٍ إن أرادوه أقرب ؛ والوجه في الجمع بين اللفظتين ما قدمناه . وأمّا قوله عليه السلام : « ضربت أنفَ هذا الأمر وعينَه » ، فمَثل تقوله العرب إذا أرادت الاستقصاء في البحث والتأمّل والفِكْر ؛ وإنما خَصّ الأنف والعين ، لأنهما صورة الوجه ، والذي يتأمّل من الإنسان إنما هو وجهه . وأمّا قوله : « ليس إلاّ القِتَالُ أو الكفر » ؛ فلأنّ النهيَ عن المنكَر واجبٌ على الإمام ، ولا يجوز له الإقرار عليه ، فإن تركَه فَسَق ، ووجبَ عزلهُ عن الإمامة . وقوله : « أو الكفر » من باب المبالغة ؛ وإنما هو القتال أو الفِسْق ، فسمّى الفِسْق كفرا