تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٧٢
ثم قال : قد يَرى الحوّل القلّبُ وجهَ الحيلة ، ويمنعه عنها نهيُ اللّه تعالى عنها ، وتجريمه بعد أن قَدَر عليها ، وأمكنه . والحوّل القلّب : الذي قد تحوَّل وتقلّب في الأُمور وجَرّب ، وحنّكَته الخطوب والحوادث . ثم قال : « وينتهز فُرْصتها » ، أي يبادر إلى افتراصها ويغتنمها . مَنْ لا حريجة له في الدين ، أي ليس بذي حَرَج ، والتحرّج : التأثم . والحريجة : التقوى ؛ وهذه كانت سجيته عليه السلام وشيمته ، مَلَك أهلُ الشام الماء عليه ، والشريعة بصفّين ، وأرادوا قتْلَه وقتلَ أهل العراق عطشا ؛ فضارَبهم على الشريعة حتى مَلَكها عليهم ، وطردَهم عنها ، فقال له أهل العراق : اقْتُلْهُم بسيوف العطش ، وامنعهم الماء ، وخذهم قَبْضا بالأيدي ؛ فقال : إنّ في حدّ السيف لغنىً عن ذلك ، وإني لا أستحلّ منعَهم الماء . فأفْرَجَ لهم عن الماء فوردوه ، ثم قاسمهم الشريعة شَطْرَيْن بينهم وبينه ، وكان الأشتر يستأذنه أن يبيِّت [١] معاوية ، فيقول : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه نهى أن يُبَيَّتَ المشركون ، وتوارث بنوه عليه السلام هذا الخُلق الأبيّ .
٤٢
الأصْلُ :
.ومن كلام له عليه السلام أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ : اتِّبَاعُ الْهَوَى ، وَطُولُ الْأَمَلِ ؛ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ . أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ ؛ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا . أَلاَ وَإِنَّ الآخِرَةِ قَدْ أَقْبَلَتْ ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ ، وَغَدا حِسَابٌ ، وَلاَ عَمَلَ [٢] .
[١] يقال : بيّت العدو ، أي قصده في الليل من غير أن يعلم فيؤخذ بغتة ، وهو البيات .[٢] اصطبّها : سكبها . صابّها : ساكبها .