تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٥٠
فأمّا ما ذكرتَه من غارة الضحّاك على أهل الحيرة ، فهو أقلّ وأذلّ من أن يلمّ بها أو يدنُو منها ؛ ولكنّه قد كان أقبَل في جريدة خيل ، فأخذ على السَّماوة ، حتى مرّ بواقِصة وشَرَاف والقُطْقُطَانة ؛ مما والى ذلك الصُّقْع ، فوجهت إليه جنداً كَثيفا من المسلمين ، فلما بلغه ذلك فَرّ هاربا ، فاتَّبعوه فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن ، وكان ذلك حين طَفَلت الشمس للإياب ، فتناوشوا القتال قليلاً كلا ولا ، فلم يصبر لوقع المشرفيّة ، وولّى هاربا ، وقُتل من أصحابه بضعة عشر رجلاً ، ونجا جَرِيضاً بعد ما أخذ منه بالمخنّق ، فلأياً بلأيٍ ما نجا . فأمّا ما سألتني أنْ أكتبَ لك برأيي فيما أنا فيه ، فإنّ رأيي جهادُ المحلِّين حتى ألقى اللّه ، لا يزيدني كثرةُ الناس معي عِزّة ، ولا تفرُّقُهم عنّي وَحشة ؛ لأنني محقّ ، واللّه مع المحقّ . وواللّه ما أكره الموت على الحقّ ، وما الخيرُ كلُّه إلاّ بعد الموت لمن كان محقّا . وأمّا ما عرضت به من مَسِيرك إليّ ببنيك وبني أبيك فلا حاجة لي في ذلك ؛ فأقمْ راشدا محمودا ، فو اللّه ما أُحبّ أن تهلِكوا معي إن هلكت ، ولا تحسَبَنّ ابنَ أُمّك ـ ولو أسلمه الناس ـ متخشّعا ولا متضرّعا إنه لكما قال أخو بني سُلَيْم : { فإنْ تسألني كَيْفَ أنْتَ فإنّني صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزمان صَليبُ } { يَعزّ عَلَيّ أن تُرَى بي كآبةٌ فيشمتَ عادٍ أو يساء حَبِيبُ }
٣٠
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام في معنى قتل عثمان لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِرا ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، وَمَنْ خَذَلَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي . وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ ، اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ وَجَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ ، وَللّه ِ حُكْمٌ وَاقِعٌ في الْمُسْتَأْثِرِ وَالْجَازِعِ .