تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٤
وقال أيضاً في شرح الخطبة (٤٥) : إن الرضي رحمه الله يلتقط كلام أمير المؤمنين عليه السلام التقاطاً ولا يقف مع الكلام المتوالي ، لأنّ غرضه ذكر فصاحته عليه السلام لا غير ، ولو أتى بخطبه كلّها على وجهها لكانت أضعاف كتابه الذي جمعه . وفي الخطبة (١٣٣) بنفس المضمون . فنهج البلاغة ، وإن خلا من وحدة النظم والتنسيق والانسجام بين فصوله ، بهذا المعنى الذي ذكرناه ، إلاّ أنه انتظمته وحدة الروح والمثل والأُسلوب على اختلاف موضوعاته ومقاصده وفنونه ، فحينما نطل على (النهج) تغمرنا أنواره المشرقة ، وعبقاته العطرة ، ويستولي على مشاعرنا جوّ روحاني إيماني أخّاذ ، وكأن المكانة السامية والمقام الروحي لأمير المؤمنين وسيد الأوصياء عليه السلام لا تبعد آناً ما ، عمّا هو مسطور فيه ، فتحسُّ بأدب الوحي والنبوة ، وروحانية الإيمان الصادق ، وأخلاق الإمام المعصوم ، كل ذلك في صور فنية رائعة في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة . يقول سبط ابن الجوزي البغدادي (٦٥٤ ه) في تذكرته « كان عليّ عليه السلام ينطق بكلام قد حُفّ بالعصمة ، ويتكلّم بميزان الحكمة ، كلام ألقى اللّه عليه المهابة ، فكلّ من طرق سمعه راعه فهابه ، وقد جمع اللّه له بين الحلاوة والملاحة ، والطلاوة والفصاحة ... ألفاظ يشرق عليها نور النبوة ويحيّر الأفهام والألباب » [١] . وكأننا نقرأ شخصية الإمام وسيرته بين سطور النهج كما وصفها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : « لايعرفك إلاّ اللّه وأنا » [٢] . وقد قدّم السيد الشريف رحمه الله بعمله هذا خدمة كبيرة على مرّ العصور للأدب واللغة والأخلاق ، وللإنسانية عموماً ، وسوف يوفّى أجر المصلحين والمحسنين «إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ» [٣] ، «وَلاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» [٤] . فالنهج نسخة فريدة بين آثار بني الإنسان تشتمل على معارف إلهية عالية ، ومنهاج للأخلاق ، وقوانين في الاجتماع ، والسياسة ، والحرب ، والاقتصاد ... ودروس في الحكمة ، والأدب ، والعرفان ... الخ . ينهل منه العارف ، والفيلسوف ، والمتكلم ، وعالم الاجتماع
[١] تذكرة الخواص ، ص١١٩ الباب السادس ، إصدار مكتبة نينوى الحديثة ـ طهران .[٢] مناقب آل أبي طالب ، ابن شهرآشوب ٢/٦٠ ؛ مختصر بصائر الدرجات ، الحسن بن سليمان ، ص١٣٥ .[٣] . سورة الأعراف ١٧٠ ، سورة التوبة ١٢٠ .