تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٢٢
« إلى اللّه » ويكون قوله : « من معشر » من تمام صفات ذلك الحاكم ، أي هو من معشرٍ صفتهم كذا . و « أبْوَر » أفعل ، من البوْر : الفاسد ، بارَ الشيء أي فسد ، وبارت السلعة أي كسدت ولم تنفُق ، وهو المراد هاهنا ، وأصله الفساد أيضا . إن قيل : بيِّنوا الفرْقَ بين الرَّجُلين اللذيْن أحدُهما وكَلَه اللّه إلى نفسه ، والآخر رجل قمش جهلاً ؛ فإنّهما في الظاهر واحد . قيل : أمّا الرجل الأوّل ، فهو الضالّ في أُصول العقائد ، كالمشبِّه والمجبّر ونحوهما ؛ ألا تراه كيف قال : « مشغوف بكلام بدعة ، ودعاء ضلالة » ، وهذا يُشعر بما قلناه ، من أنّ مرادَه به المتكلّم في أُصول الدين ، وهو ضالّ عنِ الحقّ ؛ ولهذا قال : إنّه فتنة لمن افتتن به ، ضالّ عن هُدَى مَنْ قبله ، مضلّ لمن يجيء بعده . وأما الرجل الثاني ، فهو المتفقة في فروع الشَّرْعيات ، وليس بأهل لذلك ، كفقهاء السوء ، ألا تراه كيف يقول : جلس بين الناس قاضياً! وقال أيضا : « تصرُخ من جور قضائه الدماء ، وتَعِجّ منه المواريث » . فإن قيل : ما معنى قوله في الرَّجُل الأول : « رَهْن بخطيئته » ؟ قيل : لأنّه إن كان ضالاًّ في دعوته مُضلاًّ لمن اتّبعه ، فقد حمل خطاياه وخطايا غيره ، فهو رَهْن بالخطيئتين معاً ، وهذا مثل قوله تعالى : « وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ » [١] . وإن قيل : ما معنى قوله « عمٍ بما في عقد الهدنة » ؟ قيل : الهدنة أصلُها في اللغة السّكون ، يقال : هَدَنَ إذا سكن ، ومعنى الكلام أنَّه لا يعرف ما في الفتنة من الشرّ ، ولا ما في السكون والمصالحة من الخير . ويروى « بما في غيب الهدنة » ، أي في طيِّها وفي ضمنها . ويروى « غارّ في أغباش الفتنة » ، أي غافل ذو غِرّة . وروي « من جمعٍ » بالتنوين فتكون « ما » على هذا اسماً موصولاً ، وهي وصلتها في موضع جَرٍّ لأنها صفة « جمع » ، ومن لم يرو التنوين في « جمع » حذف الموصوف ، تقديره : مِنْ جمع شيء ما قلّ منه خيرٌ مما كَثُر ، فتكون « ما » مصدرية ، وتقدير الكلام : قلّتُه خيرٌ من كثرته ، ويكون موضع ذلك جراً أيضا بالصفة .
[١] سورة العنكبوت ١٣ .