تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٢
فابتدأ باختيار محاسن الخطب ، ثمّ محاسن الكتب ، ثم محاسن الحكم ، وكان يعترف بعجزه وقصوره عن الإحاطة بأقطار كلامه عليه السلام مع بذل الجهد وبلاغة الوسع ؛ لغزارته وسعة موارده ، يقول الرضي : « ... فأجمعت بتوفيق اللّه تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب ، ثمّ محاسن الكتب ، ثمّ محاسن الحِكَم والأدب ، مفرداً لكلّ صنف من ذلك باباً ، ومفضّلاً فيه أوراقاً ، لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذّ عنّي عاجلاً ، ويقع إليّ آجلاً ... » [١] . ٢ ـ إنّ جميع ما ضمّه النهج ، أخذه الرضي من المصادر التي سبقته زماناً ، أو التي عاصرته ؛ ولمّا لم تكن غايته فيما يختاره من كلام الإمام عليه السلام تحقيق سنده ، ولا تصحيح روايته ، بقدر اهتمامه بما ينسجم مع الجانب البلاغي والبياني الذي امتاز به ، ولذلك أدرج في النهج ما وجده أمامه من كلمات الإمام وخطبه ، وكتبه في مؤلفات المؤرخين والمحدّثين ، مما نقلوه ورووه عن الإمام عليه السلام ، وعزوه إليه من دون أن يسنده إليه ، وعذره في ذلك أنه لم يكن بعمله هذا راوياً ، بمعنى الرواة ، ولا محدّثاً على طريقة المحدثين ، الذين يدونون الروايات والأحاديث بأسانيد متصلة إلى من صدرت عنه ، وإنّما كان أديباً له حسٌّ أدبي فريد ، تغريه روائع البلاغة والبيان ، ولا يلوي على شيء آخر سواها [٢] . ولذا فإنّ الباحث لا يجد كثير صعوبة في العثور على جلّ ما في النهج في أكثر من مصدر مما قد صنّف قبل عصر الرضي رحمه الله . ٣ ـ لمّا كانت مهمّة الرضي محصورة بالجمع مع التمحيص والتحقيق والانتقاء لضبط مادة النهج ؛ لإبراز بلاغة الإمام عليه السلام وفصاحته ، فلم يراع فيما اختاره التنسيق والتتالي ، ولذا جرّت هذه الطريقة مشاكل على حساب التنسيق الفني ، ودقة التصنيف والنظم ، يقول الرضي : « وربما جاء فيما أختاره من ذلك فصول غير متّسقة ، ومحاسن كلمٍ غير منتظمة ؛ لأني أورد النكت واللّمع ، ولا أقصد التتالي والنسق » [٣] . ٤ ـ صنّف السيد الرضي (النهج) بحسب الفنون النثرية ، لا بحسب الموضوعات ، فابتدأ الخطب ، ثم الرسائل ، ثم الحكم ، وكان من الممكن أن تضاف إليه أشكالٌ اُخر من فنون
[١] المصدر السابق .[٢] مصادر نهج البلاغة ، الشيخ عبد اللّه نعمة ، ص٥٦ ، مطابع دار الهدى ١٣٩٢ ه / ١٩٧٢ م .[٣] نهج البلاغة مقدمة الشريف الرضي .