تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١١٨
وقوله : « استتروا في بيوتكم » نهيٌ لهم عن العصبيّة والاجتماع والتحزّب ، فقد كان قوم بعد قتل عثمان تكلّموا في قتله من شيعة بني أُميّة بالمدينة . وأمّا قوله : « قد كانت أُمور لم تكونوا عندي فيها محمودين » ، فمراده أمرُ عثمان وتقديمه في الخلافة عليه . ومن الناس مَنْ يحمِلُ ذلك على خلافة الشيخين أيضا . ولسنا نمنع من أن يكون في كلامه عليه السلام الكثير من التوجّد والتألّم لصرْف الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله ؛ وإنما كلامنا الآن في هذه اللفظات التي في هذه الخطبة ، على أنّ قوله عليه السلام : « سبق الرجُلان » ، والاقتصار على ذلك فيه كفاية في انحرافه عنهما . وأمّا قوله : « حق وباطل » إلى آخر الفصل ، فمعناه كلّ أمر فهو إمّا حقّ ، وإمّا باطل ، ولكلّ واحدٍ من هذين أهلٌ وما زال أهل الباطل أكثرَ من أهل الحق ؛ ولئن كان الحق قليلاً فربما كَثُر ، ولعله ينتصر أهلُه . ثم قال على سبيل التضجر بنفسه : « وقلّما أدبَر شيء فأقبل » ، استبعد عليه السلام أن تعود دولة قوم بعد زوالها عنهم . ثم قال : « ولئن رجعت عليكم أُموركم » أي إن ساعدني الوقت ، وتمكّنت من أن أحكم فيكم بحكم اللّه تعالى ورسوله ، وعادت إليكم أيام شبيهة بأيام رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وسيرةٌ مماثلة لسيرته في أصحابه ؛ إنكم لَسُعداء . ثم قال : « وإني لأخشى أن تكونوا في فَتْرة » ، الفترةُ هي الأزمنة التي بين الأنبياء إذا انقطعت الرسل فيها ؛ كالفَتْرة التي بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه و آله ؛ لأنّه لم يكن بينهما نبيّ ، بخلاف المدة التي كانت بين موسى وعيسى عليهماالسلام ؛ لأنّه بُعِث فيها أنبياء كثيرون ، فيقول عليه السلام : إنّي لأَخشى ألاّ أتمكن من الحكم بكتاب اللّه تعالى فيكم ، فتكونوا كالأمم الذين في أزمنة الفَتْرة لا يرجعون إلى نبيٍّ يشافههم بالشرائع والأحكام ؛ وكأنّه عليه السلام قد كان يعلم أنّ الأمر سيضطرب عليه . ثم قال : « وما علينا إلاّ الاجتهاد » ، يقول : أنا أعمل ما يجب عليّ من الاجتهاد في القيام بالشريعة وعزل ولاة السوء وأُمراء الفساد عن المسلمين ، فإنْ تمّ ما أريده فذاك ، وإلاّ كنت قد أعْذَرْتُ . وأمّا التتِمّة المروية عن جعفر بن محمد عليهماالسلام فواضحة الألفاظ ، وقوله في آخرها : « وبنا تُختَم لا بِكُم » إشارة إلى « المهديّ » الذي يظهر في آخر الزمان . وأكثر المحدّثين على أنّه من وَلَد فاطمة عليهاالسلام . وأصحابنا المعتزلة لا ينكرونه ، وقد صرّحوا بذكره في كتبهم ، واعترف به شيوخهم ، إلاّ أنه عندنا لم يُخلَق بعد ، وسيخلق . وإلى هذا المذهب يذهب أصحاب