تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٠٨
.ومن خطبة له عليه السلام مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي ، وَلاَ لُبِّسَ عَلَيَّ . وَايْمُ اللّه ِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضا أَنَا مَاتِحُهُ ! لاَ يَصْدِرُونَ عَنْهُ ، وَلاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ [١] .
الشّرْحُ :
يمكن أن يَعْني بالشيطان الشيطانَ الحقيقيَّ ، ويمكن أن يَعْنِيَ به معاوية ، فإن عَنَى معاوية ، فقوله : « قد جمع حزبه ، واستجلب خيله ورجْله » كلام جارٍ على حقائقه ، وإن عَنَى به الشيطان ، كان ذلك من باب الاستعارة ؛ ومأخوذا من قوله تعالى : « وَاستَفْزِزْ مَنِ استَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ » [٢] ، والرَّجْل ، جمع راجل ، كالشَّرْب ، جمع شارب ، والرّكْب ، جمع راكب . قوله : « وإنَّ معي لَبَصيرتي » ، يريد أنَّ البصيرةَ التي كانت معي في زمن رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم تتغيَّرْ . وقوله : « ما لبّستُ » تقسيم جيّد ؛ لأنَّ كل ضالّ عن الهداية ، فإمَّا أن يضلَّ من تلقاء نفسه ، أو بإضلال غيره له . وقوله : « لأفْرِطَنّ » من رواها بفتح الهمزة ، فأصله « فرط » ثلاثي ، يقال : فَرطَ زيد القوم أي سبقهم ، ورجل فَرَطٌ : يسبق القوم إلى البئر ، فيهيّئ لهم الأرْشية والدِّلاء ، ومنه قوله عليه السلام : « أنا فَرَطُكم على الحوض » ، ويكون تقدير الكلام : وايمُ اللّه لأفرِطَنّ لهم إلى حوض . ومن رواها « لأُفرِطَنّ » بضم الهمزة ، فهو من أفرط المزادة ، أي ملأها . والماتح : المستقِي ، متَح يمتَح ، بالفتح ، والمايح ، بالياء : الذي ينزل إلى البئر فيملأ الدلو . « أنا ماتحه » أنا خبير به ، كما يقول مَنْ يدّعي معرفة الدار : أنا باني هذه الدار ، والكلام استعارة ؛ يقول : لأملأنّ لهم حِياض الحرب التي هي دُرْبَتي وعادتي ، أو لأسْبِقنّهم إلى حياض حرب أنا متدرِّب بها ، مجرِّب لها ، إذا وردوها لا يصدُرون عنها ، يعني قتلَهم وإزهاق أنفسهم ، وَمَنْ فَرَّ منهم لا يعود إليها .
[١] لافرطنّ : لأملأنّ ، والفَرَط : المتقدّم . الصدور : ضد الورود ، وصدر عنه رجع عنه .[٢] سورة الإسراء ٦٤ .