تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٠٠
قوله : « كيف يُرَاعى النبأة » ، هذا مثل آخر ، يقول : كيف يلاحظ ويراعى العِبَر الضعيفةَ مَنْ لم ينتفع بالعِبَر الجليّة الظاهرة ، بل فسد عندها ، وشبّه ذلك بمن أصمته الصَّيْحة القوية ، فإنه محال أن يراعِي بعد ذلك الصوت الضعيف . والنبأة : هي الصوت الخفيّ . فقوله : « أصْمته الصيحة » ، ليس معناه أنّ الصيحة كانت علّة لصممه ، بل معناه صادفته أصمَّ . قوله : « رُبط جَنَان لم يفارقْه الخَفَقان » ، هذا مثل آخر ، وهو دعاء لقلب لا يزال خائفا من اللّه يخفُق بالثبوت والاستمساك . قوله : « ما زلت أنتظر بكم » ، يقول : كنت مترقبا غدرَكم متفرِّسا فيكم الغَرَر ، وهو الغفلة . وقيل : إنّ هذه الخطبة خَطَبها بعد مقتل طلحة والزبير ، مخاطبا بها لهما ولغيرهما من أمثالهما ، كما قال النبي صلى الله عليه و آله يوم بدر ، بعد قَتْل مَنْ قتل من قريش : « يا عُتْبة بن ربيعة ، يا شيبة ابن ربيعة ، يا عمرو بن هشام » ، وهم جِيَف منتنة قد جُرّوا إلى القَلِيب . قوله : « سترني عنكم » ، هذا يحتمل وجوها أوضحها : أنّ إظهارَكم شعار الإسلام عصمكم منِّي مع علمي بنفاقكم ، وإنما أبصرت نفاقكم وبواطنكم الخبيثة بصِدْق نيَّتي ، كما يقال : المؤمن يُبْصر بنور اللّه . ويحتمل أن يريد : سترني عنكم جلبابُ ديني ، ومنعني أن أعرِّفكم نفسي وما أقدر عليه من عَسْفكم ، كما تقول لمن استهان بحقّك : أنت لا تعرفُني ولو شئت لعرّفتُك نفسي . قوله : « أقمت لكم على سَنن الحق » ، يقال : تنحّ عن سَنَن الطريق وسُنن الطريق ، بفتح السين وضمها ، فالأول مفرد ، والثاني جمع سُنّة ، وهي جادّة الطريق والواضح منها ، وأرض مَضَلّة ومَضِلّة : بفتح الضاد وكسرها ، يضلّ سالكها . وأماهَ المحتفِر يميه : أنبط الماء ، يقول : فعلتُ من إرشادكم وأمرِكم بالمعروف ونهيكم عن المنكر ما يجب على مثلي ، فوقفت لكم على جادّة الحق ومنهجه ؛ حيث طرق الضلال كثيرة مختلفة من سائر جهاتي ، وأنتم تائهون فيها تلتقون ، ولا دليل لكم ، وتحتفرون لتجِدوا ماء تنقعون به غُلّتكم فلا تظفرون بالماء ، وهذه كلُّها استعارات . قوله : « اليوم أنطق » ، هذا مثل آخر ، والعجْماء التي لا نطق لها ، وهذا إشارة إلى الرموز التي تتضمَّنها هذه الخطبة ، يقول : هي خفية غامضة ، وهي مع غموضها جليّة لأُولى