تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٠
شرح ابن أبي الحديد ، وأخذه منه حرفياً دون أن يضيف منه شيئاً ـ قائلاً : « تصفحت بعض صفحاته ، وتأملت جملاً من عباراته من مواضع مختلفات ، ومواضيع متفرّقات ، فكان يُخيّل لي في كلّ مقامٍ أنّ حُروباً شبت ، وغارات شُنّت ، وأنّ للبلاغة دولةً وللفصاحة صولة ، وأنّ للأوهام عرامة وللريب دعارة ، وأن جحافل وكتائب الذرابة في عقود النظام ، وصفوف الانتظام تنافح بالصفيح الأبلج ، والقويم الأملج ، وتمتلج المهج برواضع الحجج ، فتفل من دعارة الوساوس ، وتصيب مقاتل الخوانس ، فما أنا إلاّ والحق منتصر ، والباطل منكسر ، ومرَجُ الشك في خمود ، وهرج الريب في ركود ، وأنّ مدبر تلك الدولة وباسل تلك الصولة هو حاملُ لوائها الغالب ، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، بل كنت كلما انتقلت من موضع منه إلى موضع ، أحس بتغيّر المشاهد ، وتحوّل المعاهد ، فتارة كنت أجدني في عالم يعمُره من المعاني أرواح عالية ، في حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية وتدنو من القلوب الصافية ، توحي إليها رشادَها وتقوم منها مرادُها . وطوراً كانت تنكشف لي الجمل عن وجوه باسره وأنياب كاشرة وأرواح في أشباح النمور ، ومخالب النسور قد تحفزت للوِثَاب ثمّ انقضت للاختلاب ... وأحياناً كنت أشهد أنّ عقلاً نورانياً لا يشبه خلقاً جسدانياً ، فصل عن الموكب الإلهي واتصل بالروح الإنساني ، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ونمي به إلى مشهد النور الأجلى » [١] .
جامع النهج الشريف :
هذا النتاج الجليل تصدّى لجمعه وتبويبه السيد الشريف النقيب أبو الحسن محمّد بن الحسين الرضي الموسوي (٥٣٩ ـ ٤٠٦ ه) ، وأطلق عليه اسم (نهج البلاغة) ؛ ليشير بذلك إلى أنّ هذا النتاج هو المثال لبلاغه التعبير بعد كتاب اللّه العزيز ، وقد ظهر في عصر ازدهرت فيه الحضارة الإسلاميّة والعربية ، وظهر فيه أشهر النوابغ في مختلف العلوم الانسانية والآداب . والسيد الشريف الرضي هو مفخرة العترة ، الذي جمع إلى شرف النسب النبوي شرف العلم والحلم والأدب ما تتباهى به العصور . يقول عنه الثعالبي (٤٢٩ ه) : « وهو اليوم
[١] شرح نهج البلاغة ، محمد عبده ، المقدمة .