وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٦ - الاجتهاد و المجتهدون
و كيفا، بحيث شغل حيزا كبيرا من تفكير المسلمين.
و لم تقتصر الدلالات على القرآن الكريم فقط، بل صرحت السنة النبوية المباركة قولا و عملا بوجود هذا الاتجاه و انتقدته و فنّدته- أيّما انتقاد و تفنيد- لأنّ تلك الفئة لم تحدّد عملها و اجتهادها في كلام النبي و إنّما راحت تتعداه إلى القرآن الكريم.
فلذلك قال النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) لبعض أصحابه، ما لكم تضربون كتاب اللّٰه بعضه ببعض؟! بهذا هلك من كان قبلكم [١]. و في نص آخر أنّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال: أ يتلعّب بكتاب اللّٰه و أنا بين أظهركم [٢]؟! و في نص ثالث قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): أ بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ أن تضربوا كتاب اللّٰه بعضا ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، و ما نهيتم عنه فانتهوا [٣].
و كان رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) قد حذّر أصحابه من هذا التهافت المقيت في تعاملهم مع النصوص القرآنية و النبوية، إذا الإيمان باللّه و رسوله يقتضي التسليم و الانقياد لما يقوله اللّٰه و يأمر به الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فعدم التسليم بقدسية النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و أقواله و أفعاله يتقاطع مع الإيمان المطلق باللّه و الرسول.
لقد حذّر اللّٰه من عواقب هذا النوع من التفكير، و أنبأ أنّه سينجرّ إلى (الفتنة)، فعن الزبير بن العوام- في تفسير قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ .. إلى قوله- وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٤]- قال: لقد قرأنا هذه الآية زمانا و ما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيّون بها [٥].
و قال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل [٦].
و بما أنّ ولادة مثل هذا الفكر في مجتمع حديث عهد بالإسلام أمر يوافق سيرة
[١] كنز العمال ١: ١٩٣.
[٢] صحيح مسلم/ كتاب الايمان.
[٣] كنز العمال ١: ٣٨٣، ١٦٦١، و سنن ابن ماجة.
[٤] الأنفال: ٢٤- ٢٥.
[٥] تفسير ابن كثير ٢: ٤٨٨- ٤٨٩.
[٦] تفسير ابن كثير ٢: ٤٨٨- ٤٨٩.