وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١١٤ - الثاني اتهامه بالتشيع
منك بطبقات، بل و أوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، و أنا اشتهي أن تعرّفني من هو الثّقة الثبت الّذي ما غلط أو انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، و أكمل لرتبته، و أدلّ على اعتنائه بعلم الأثر، و ضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللّٰهم إلّا أن يتبين غلطه و وهمه في الشيء فيعرف ذلك، فانظر أوّل شيء إلى أصحاب رسول اللّٰه الكبار و الصغار، ما فيهم أحد إلّا و قد انفرد بسنة، فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه، و كذلك التّابعون، كلّ واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، و ما الغرض هذا، فإنّ هذا مقرر على ما ينبغي في علم الحديث و إن تفرّد الثقة يعدّ صحيحا غريبا، و إن تفرد الصدوق و من دونه يعدّ منكرا، و إنّ إكثار الرّاوي من الأحاديث الّتي لا يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيّره متروك الحديث، ثمّ ما كلّ أحد فيه بدعة أو له هفو، أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، و لا من شرط الثقة أن يكون معصوما من الخطايا و الخطأ، و لكن فائدة ذكرنا كثيرا من الثّقات الّذين فيهم أدنى بدعة أو لهم أوهام يسيرة في سعة علمهم أن يعرف أنّ غيرهم أرجح منهم و أوثق إذا عارضهم أو خالفهم، فزن الأشياء بالعدل و الورع [١]!!.
و قد يدلّ على مكانة عبد الرزاق و وثاقته مقولة تلميذه يحيى بن معين فيه، حيث حكى محمد بن إسماعيل الضراري قوله: بلغنا و نحن بصنعاء عند عبد الرزاق أنّ أصحابنا يحيى بن معين و أحمد بن حنبل و غيرهما تركوا حديث عبد الرزاق و كرهوه فدخلنا من ذلك غم شديد، و قلنا: قد اتّفقنا و رحلنا و تعبنا، فلم أزل في غمّ من ذلك إلى وقت الحج، فخرجت إلى مكة فلقيت بها يحيى بن معين، فقلت له: يا أبا زكريا ما نزل بنا من شيء بلغنا عنكم في عبد الرزاق؟ قال: و ما هو؟ قلنا: بلغنا أنّكم تركتم حديثه و رغبتم عنه؟!. فقال: يا أبا صالح لو ارتدّ عبد الرزاق عن الإسلام ما تركنا
[١] ميزان الاعتدال، للذهبي ٣: ١٤٠- ١٤١ ترجمة رقم ٥٨٧٤.