دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٥ - الشبهات الحكمية في ضوء الركن الثاني
و وجوده وجود تعلّقي به، بمعنى انه عين الربط و الافتقار، بل هو مظهر لموضوعه، فانّ قولنا مثلا ( (قتل المؤمن ظلما حرام)) على وزان قولنا ( (هذا القبيح الفلاني قبيح قبح القتل)) لا قبح السرقة. مثلا. و نحوها، و ليس المحمول إلّا كاشفا عن درجة قبح العمل او درجة مطلوبيّته، فالظلم قبيح منذ الازل، و لا يوجد زمان كان فيه الظلم غير قبيح كي نقول الاصل عدم كون الظلم قبيحا او حراما، و كذا الامر في سائر موضوعات الاحكام، و من هنا قال اصحابنا بتبعيّة الاحكام للمصالح و المفاسد حتّى في الاوامر الامتحانية و الاوامر الواردة في مقام التقيّة، فانّ المصلحة و ان لم تكن في ملاكهما و لكنها على اي حال موجودة منذ الازل في علم الباري تعالى في السلوك على طبق هذه الاوامر، فانّ التوضّي بوضوء اهل الخلاف تجنّبا من الوقوع في الضرر ذو مصلحة اقوى من مصلحة التوضّي الصحيح مع التضرّر منهم، و عليه فلا يصحّ استصحاب عدم الجعل لاختلال الركن الاوّل.
و من هنا تعرف عدم وقوع التعارض بين استصحاب عدم الجعل و استصحاب بقاء المجعول، و ذلك من باب السالبة لانتفاء الموضوع، فكلا هذين الاستصحابين لا يجريان من الاصل.
[و ليعلم] أنّه و إن كانت البراءة العقلية صحيحة في ذاتها بالبيان المتقدّم في بحث ( (مسلك حقّ الطاعة)) إلّا ان الجاري في مقام احتمال تنجّز التكاليف بعد الفحص هو استصحاب عدم إيصال الحكم المشكوك وصوله، فهناك احكام شرعية لم تصلنا لعدم اهميّتها في نظر المشرّع الحكيم و هي ما يسمّونه بمنطقة الفراغ و التي يجري فيها الفقهاء الاصول العملية، و بالتالي يثبت الترخيص، فإذا عرفت هذا فلنعبّر عن هذا الاستصحاب باستصحاب براءة الذمّة.
(إذن) ما هو المرجع في الشبهات الحكمية؟ فنقول: المرجع في الشبهات الحكمية هو استصحاب براءة الذمّة، ففي مثال المرأة التي نقت و قبل ان تغتسل يرجع في جواز مسّها إلى هذا الاستصحاب، و كذا في مثال من فقد الطهورين في وقت الصلاة و شككنا في بقاء وجوب الصلاة فانّه لا يجب عليه الصلاة