دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٦٠ - ثمّ ان النظر الذي هو ملاك التقديم يثبت بأحد الوجوه التالية
افتراض مدلول الدليل المحكوم في رتبة سابقة، كما في «لا ضرر» (* ١).
او «لا ينجّس الماء ما لا نفس له» بالنسبة إلى ادلّة الاحكام و ادلّة التنجيس (* ٢).
(* ١) و مثل بعضهم ب «لا حرج» و اعتبروا ذلك من الحكومة و من الاحكام الثانوية و هذا من اشتباهاتهم، فانّ الله تعالى لا يريد بنا العسر، كما في قوله تعالى ( (يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر))، و لذلك فالقضايا العسيرة تكون خارجة عن الواجبات و المحرمات بالتخصيص او التقييد لا بالحكومة
(* ٢) فدليل ( (لا ضرر)) مثلا ناظر إلى محمولات ادلّة الأحكام و يبيّن المراد منها فيضيّق اطلاقاتها ... و قد شرحنا ذلك فى اوّل حديث الرفع من الجزء الثالث، و علّقنا على هذا القول، و قلنا بان دليل ( (لا ضرر)) و نحوه هي مقيّدة لا حاكمة، بيان ذلك: ان محمولات الاحكام ما هي إلّا ظلّ و معلولات لموضوعاتها، فالقيمة الاصلية اذن للموضوعات، فلا يصحّ ان يتصرّف بالمحمول إلّا من خلال موضوعه و ذلك بناء على مسلك العدلية الحق بتبعية الاحكام للمصالح و المفاسد.
و في المقام يوجد خصوصية زائدة و هي ان صفة الضرري هي في الحقيقة صفة للموضوع لا للمحمول، فالغسل الفلاني امّا ضرري و امّا لا، و امّا وصفنا لوجوبه بالضرري فهو بلحاظ موضوعه، و هذا يعني ان الرسول الأعظم [ص] عند ما قال ( (لا ضرر و لا ضرار)) انما يرفع الحكم برفعه للموضوع، و بهذه المقالة قال صاحب الكفاية ; أيضا، فكأنه قال لا موضوع ضرري في عالم التشريع، و بالتالي يصنّف الموضوعات إلى ضررية و غير ضررية فيسحب بساط الاحكام الاوّلية من تحت الموضوعات الضررية و يبقي الاحكام الاوّلية للموضوعات الغير ضررية، فهي إذن من قبيل قول القائل مثلا ( (اكرم العالم)) ثم بعد فترة من الزمان قال ( (لا تكرم العالم الفاسق))، فانّه يدلّ على ان نظره أولا إلى الموضوع، فهو يصنّف العلماء إلى فساق و غير فساق، فيبقي الحكم الاوّلي على غير الفسّاق و يسحبه عن الفساق منهم، و من هنا تعرف ان ( (لا ضرر)) تقيد موضوعات