مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٣٢٦ - الأخبار الأئمة الصادق (عليه السّلام)
سأخبرك بما قال لك ابن قيس الماصر قبل أن تسألني عنه، و اصيّر الأمر في تعريفه إيّاه إليك، إن شئت أخبرته، و إن شئت لم تخبره؛
إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق خلّاقين [١]، فإذا أراد أن يخلق خلقا أمرهم، فأخذوا من التربة التي قال في كتابه: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [٢] فعجن النطفة بتلك التربة التي يخلق منها بعد أن أسكنها الرحم أربعين ليلة، فإذا تمّت لها أربعة أشهر، قالوا: يا ربّ، تخلق [٣] ما ذا؟ فيأمرهم بما يريد من ذكر أو أنثى أبيض أو أسود، فإذا خرجت الروح من البدن خرجت هذه النطفة بعينها منه، كائنا ما كان، صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو انثى، فلذلك يغسّل الميّت غسل الجنابة. [٤]
[١]- و قال أيضا: قوله (عليه السّلام): خلّاقين: أي ملائكة خلّاقين، و الخلق بمعنى التقدير.
[٢]- طه: ٥٥.
[٣]- «نخلق» م.
[٤]- قال في الوافي: ٣/ ٤٣ ب ٥٢ (ط. حجر):
كأنّه (عليه السّلام) أشار بالتربة إلى البدن المثالي الذي يرى الإنسان نفسه فيه في النوم، و قد يعبّر عنه بالطينة أيضا، فإنّه هو الذي خلق الإنسان بما هو إنسان منه، و فيه يعاد في البرزخ، و منه يخرج عند البعث، و هو الذي عجن به النطفة في الرحم بعد أربعين ليلة، و هو الروح الذي يخرج من البدن العنصري الذي حصل من النطفة المعجونة به، و اطلاق التربة و الطينة عليه باعتبار كونه مادّة و أصلا في خلق الإنسان بما هو إنسان، أعني من حيث روحه.
و أمّا النطفة التي خرجت مع الروح فهي عبارة عن الرطوبات التي تسيل عن البدن عند مفارقة الروح عنه لفقدان القوّة الماسكة عنه حينئذ، و إنّما عبّر عنها بالنطفة لأنّها تخرج عنه حين توجّه الروح إلى عالم آخر و فنائه فيما يرد عليه منه بالكلّية، بحيث لا يقدر على إمساكها كما أن المني يخرج عنه حين إقباله على ما يشتهيه و فنائه فيه بالكلّية بحيث لا يقدر على إمساكه، لنقصان حياته حينئذ، و إنما جعلت بعينها النطفة الاولى لأنّ مادّتها كمادّة سائر أجزاء البدن هي بعينها مادّة النطفة الاولى تواردت عليها الصور واحدة بعد اخرى إلى أن يفارق عنها الروح.
فإن قيل: فالغسل ينبغي أن يرد على الروح دون هذا البدن الذي هو بمنزلة النطفة الخارجة عنه.
قلنا: لمّا كان الروح ممّا لا ينال إليه الأيدي، و هذا البدن على هيئته، و كان له نوع اتحاد معه يفعل به ما ينبغي أن يفعل مع الروح من الاستقبال و التغسيل و التكفين و الدفن و غير ذلك، فإنّ الظاهر عنوان الباطن.