التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٢ - ٢ - آية عدد المقاتلين
نزول آية عن اخرى بفترة طويلة او قصيرة، و لكنها سجلت اثرها مباشرة، و تقدم البحث عن ذلك فى الجزء الاول[١] فراجع.
هذا .. و قد انكر سيدنا الاستاذ- دام ظله- وقوع نسخ بين الآيتين اطلاقا، قال: فان القول بالنسخ يتوقف على اثبات الفصل بين الآيتين نزولا، و اثبات ان الثانية نزلت بعد العمل بالاولى، لئلا يلزم النسخ قبل حضور وقت الحاجة، و الا كان التشريع الاول لغوا. قال: اضف الى ذلك ان سياق الآيتين اصدق شاهد على انهما نزلتا مرة واحدة.
و نتيجة ذلك ان الحكم فى الآية الاولى استحبابى ...[٢].
لكنه- دام ظله- لم يذكر سند استظهاره الاخير، و كيف ان السياق يدل على اتصال نزولهما معا من غير فصل زمنى؟
و من ثم فان العكس هو الظاهر من السياق، فان قوله تعالى:
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً يدل بوضوح على تأخر نزول الثانية عن الاولى بفترة، ربما غير قصيرة، مرت خلالها تجربة عنيفة على المسلمين، ظهر منها ضعفهم و تثاقلهم عن التكليف الاول.
فان لفظة «الآن» تدل دلالة واضحة على تلك الفترة، و لولاها لم يكن موقع لهذه اللفظة اصلا. و هكذا التعبير بالتخفيف يدل على تكليف سابق شاق، الامر الذى يتناسب مع كونه الزاميا لا الاستحباب. و أخيرا فان قوله «علم ان فيكم ضعفا» ايضا خير شاهد على ذلك، اذ المعنى:
ظهر ان فيكم ضعفا، مما يتناسب مع وقوع تجربة تبدى خلالها ضعف المسلمين و وهنهم عن مقاتلة اضعافهم بعشرات.
[١] صفحة: ٢١٤- ٢١٧.
[٢] البيان ص ٣٧٥- ٣٧٦.