التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠ - ٨ - شذوذ نفسى
لم تغبر قدماه فى طلب العلم، و كان اذا اتاه رجل للقراءة عليه يسأله:
هل قرأت على ابن مجاهد، فان قال: نعم، لم يقرئه.
فلئن كان ابن مجاهد يعتز بمنصبه الرسمى، فقد كان ابن شنبوذ يعتز بمقام علمه وسعة اطلاعه. و كان يؤنب صاحبه بلا هوادة.
و كان ابن شنبوذ يقرأ بالمشهور و الشاذ، و كان يرى جواز الصلاة بما جاء فى مصحف أبى، و مصحف ابن مسعود، و بما صح فى الاحاديث، مع ان الاختلاف فى جوازه كان معروفا بين الفقهاء قديما و حديثا- و كان يتعاطى ذلك جهارا.
و كانت نقطة ضعف اخذها عليه ابن مجاهد، فرفع امره الى السلطان، و عقد له- كما عقد لابن مقسم- مجلس بأمر رسمى من شيخ القراء ابن مجاهد، و كان ذلك فى سنة ٣٢٣.
قال الدانى: حدث ابو القاسم بن زنجى الكاتب الانبارى، قال:
حضرت مجلس الوزير ابى على بن مقلة، وزير الراضى باللّه العباسى.
و قد احضر ابن شنبوذ و جرت معه مناظرات فى حروف، شهد عليه الشهود أنه يقرأ بها، و هى شواذ، فاعترف منها بما عمل به، بمحضر من الشاهدين: محمد بن موسى الهاشمى، و ابى ايوب محمد بن احمد، و هما يومئذ شاهدان مقبولان، و كان القاضى عمر بن محمد بن يوسف و كان قد حضر المجلس ابن مجاهد و جماعة من القراء.
فاغلظ ابن شنبوذ للوزير فى الخطاب، و للقاضى، و لابن مجاهد، و نسبهم الى قلة المعرفة، و انهم لم يرحلوا فى طلب العلم كما رحل.
فأمر الوزير بضربه سبع درر، و هو يدعو على الوزير، بان يقطع اللّه يده، و يشتت شمله، و استتابوه قهرا عليه.
و كتب نسخة المحضر ابن مجاهد بيده. و فى آخرها: «اعترف ابن شنبوذ بما فى هذه الرقعة بحضرتى، و كتب ابن مجاهد بيده، يوم السبت، لست خلون من ربيع الآخر، سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة».
و قد استجيب دعاؤه على الوزير، و قطعت يده و ذاق الذل. و لما يمض على هذه الحادثة سنة كما توفى ابن مجاهد فى نفس