التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٥ - حقيقة النسخ
الانسان المختار، و قد تبدل الى انسان مضطر.
حقيقة النسخ
النسخ فى حقيقته الاولية- بمعنى «نشأة رأى جديد»- مستحيل عليه تعالى. اذ هو بذاك المعنى يستدعى تبدل رأى المتشرع، بظهور خطاء او نقص فى تشريعه السابق، عثر عليه متأخرا فابدل رأيه الى تشريع آخر ناسخ للاول، و يكون هذا الاخير هو الكامل الصحيح فى نظره حاليا، و يجوز تبدل رأيه ثانيا و ثالثا الى تشريع ثالث و رابع و هكذا، ما دام يحتمل خطاؤه فى كل تشريع.
هذا المعنى انما يخص اولئك المتشرعين غير المحيطين بالمصالح و المفاسد الكامنة وراء الامور، تلك الاحاطة الشاملة. اما العالم بالخفايا المحيط بجوامع الواقعيات فى طول الزمان و عرضه على حد سواء، فيمتنع عليه خطأ فى اصابة الواقع، او يفوته نقص كان غافلا عنه ثم وجده. كل ذلك مستحيل بشأنه تعالى.
اذن فالنسخ المنسوب اليه تعالى نسخ فى ظاهره، اما الواقع فلا نسخ اصلا، و انما هو حكم موقت و تشريع محدود من اول الامر، و انه تعالى لم يشرعه حين شرعه الا و هو يعلم ان له امدا ينتهى اليه، و انما المصلحة الواقعية اقتضت هذا التشريع الموقت، و قد شرعه تعالى وفق تلك المصلحة المحدودة من اول الامر.
لكن لمصلحة فى التكليف أخفى تعالى بيان الامد، و أجله الى وقته المحدود. ثم فى نهاية الامد جاء البيان الى الناس: أن هذا التشريع قد انتهى بهذا الاجل.
فالنسخ فى حقيقته الدينية ليس سوى تأخير بيان الامد المضروب من الاول. و لعل فى تأخير هذا البيان مصلحة للامة، منها الاختبار بتوطينهم على الطاعة فيما كان التكليف السابق شاقا- مثلا-. و غير