التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١ - ٤ - اسقاط الالفات
و على اى تقدير فان عدم انتظام خط المصحف الاول كان اول عامل فى نشوء اختلاف قراءة القراء.
كان على القارئ نفسه ان يختار نوع الحرف و الشكل و تمييز الكلمة فى حركتها القياسية و نوعية اعرابها، فضلا عن اعجامها و تشكيلها، حسب ما يبدو له من قرائن و احوال و شواهد و نظائر، و مناسبة المعنى و اللفظ، فكان عليه- لا محالة- ان يلاحظ جميع هذه الملاحظات ثم يختار القراءة التى يراها وفق الاعتبار الصحيح فى نظره.
و لا شك ان المذاويق و السلائق، و كذلك الانظار و الدلائل تختلف حسب عقليات الاشخاص و سابقة المامهم بالامر، و مبلغ ممارستهم للموضوع، و من ثم وقع الاختلاف فى قراءة القرآن حسب تفاوت الاجتهادات النظرية، فقد استند كل قارئ الى علل و حجج ربما تختلف عن حجج الآخرين.
و قد صنف كثير من العلماء فى مستندات القراءات المختلفة و ذكروا عللها و حججها، منهم: ابو على الحسن بن احمد الفارسى فى كتابه «الحجة فى علل القراءات السبع». و منهم ابو محمد مكى بن ابى طالب القيسى، فى كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع و عللها و حججها» و سنذكر نماذج من كلامهما.
هذا ... و اما الرواية او السماع من الشيخ فلم يكن ينضبط تماما اذا كانت تعتمد على مجرد الحفظ، و من غير ان تتقيد بالثبت فى سجلات خاصة، او فى نفس المصحف الشريف برسم علائم- مثلا-. فلا محالة كان يقع فيها خلط او اشتباه كثير، لا سيما اذا طالت الفترة بين الشيخ الاول و القارئ الاخير.
تلك اهم اسباب الاختلاف فى القراءات مضافة الى اجتهادات نظرية و اعتبارات كان القارئ يلاحظها و يستند اليها فى قراءته.
و سنفصل هذا الجانب فى الفصل التالى.