النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ٧٦
يهوله تحريك أذن الفيل، بل يلهيه شم[١] ذلك القاطر[٢] عن الاحتراس[٣] حتى يلج في أصل اذنه فتقع عليه ضربة[٤] الاذن فتقتله، و السمك في البحر يسلبه ذوق الطعم و يلهيه و يذهله[٥] عن القنص[٦] الذي فيه اللحم فيبتلعه، فيكون فيه حتفه[٧].
فمن ملك هذه الحواس الخمس فقد ملك نفسه، و من ملك نفسه حسنت سياسته، و من حسنت سياسته[٨] دامت رياسته، و من أعطى نفسه هواها باتباع ملاذ شهواته اشتغل عن تدبير مهماته فتختل[٩] أمور دولته و تنحل عرى مملكته.
سئل رجل من بني أمية عن سبب زوال دولتهم فقال مثل ما قال بزرجمهر[١٠]: شغلتنا لذاتنا عن مهماتنا، و قلّ عطاؤنا لجندنا فقل ناصرنا، و جرنا على أهل خراجنا فدعوا علينا و طلبوا الراحة منا، و أشد من ذلك إنا استعملنا صغار العمال على كبار العمال فآل ملكنا إلى ما آل.
و قال بعض الحكماء: العقل كالزوج و النفس كالزوجة و الجسم كالبيت لهما، فإذا كان سلطان العقل[١١] غالبا قاهرا[١٢] للنفس اشتغلت النفس بمطالح الجسم، إما لمنفعة تجلبها أو لمضرة تجتنبها كما تشتغل الزوجة التي قهرها زوجها بمصالح بيتها العائدة عليها و على زوجها. و إن كان سلطان النفس على العقل غالبا، كان
[١] -شم طيب: ف.
[٢] -ساقطة: ط. ق؛ م.
[٣] -الاحتراز: ط. ق؛ م.
[٤] -ضربة: ساقطة ط. ق؛ م.
[٥] -ساقطة: ط. ق؛ م.
[٦] - الصنارة التي فيها: ط. ق؛ الشم: ف
[٧] - ضرورته: م.
[٨] - ساقطة: ط. ق؛ م« و من حسنت سياسته».
[٩] - فتخل: م؛ ط. ق.
[١٠] - القول في بهجة المجالس ١/ ٣٥١ و ينسب لأحد الملوك في لطف التدبير للأسكافي ص ١٢ و بنسبته في سراج الملوك للطرطوشي ص ٩٤. و نجد القول و الحكاية في حكاية الأسد و الغواص ص ١٩٨ و نصها:« سئل بعض بني مروان بعد زوال ملكهم؟ ما الذي أزال ملككم؟ فقال: شغلتنا لذاتنا عن التفرغ لمهماتنا و وثقنا بكفاتنا فآثروا مرافقهم علينا، و ظلم عمالنا رعيتنا ففسدت نياتهم لنا و تمنوا الراحة منا، و حمل على أهل خراجنا فقل دخلنا فتأخر عطاء جندنا، فزالت الطاعة منهم لنا، و قصدنا عدونا فقل ناصرنا، و كان اعظم ما زال به ملكنا استتار الاخبار عنا». قارن القول أيضا في الحكمة الخالدة لمسكوية ص ١٦٦.
[١١] - النفس: ط. ق؛ م.
[١٢] - ساقطة: ط. ق.