النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ٤٥
و هكذا استطاع الشيزري ان يجمع بين التقاليد السياسية الموروثة الممثلة بالارث الفارسي الساساني و الحضارة الهلينستية، و بين النظرية السياسية الاسلامية الممثلة بعلماء الكلام و مدرسة الفقهاء، مراعيا بذلك واقع العصر الذي عاش فيه و ظروف المرحلة الخطيرة التي مرت بها دولة الاسلام حيث استأثر الفرنجة بحكم المنطقة الاسلامية و سيطروا على اجزاء كبيرة من بلاد الشرق و باتوا يهددون دولة الخلافة الاسلامية. وسط تلك الظروف و تحت تأثير الواقع و المعطيات الجديدة تبلورت مفاهيم عبد الرحمن بن عبد اللّه فنسج مفاهيمه و افكاره السياسية وفق النهج المتبع و المألوف في تلك الحقبة التاريخية ليكون جزءا من الكتب الاخلاقية و السياسية و نموذجا من كتب مرايا الامراء.
و تظهر اهمية الشيزري باحداث نقلة نوعية اثناء معالجاته لقضايا العدل و الاخلاق و آداب السلوك، فهو يرتد إلى آفاق الماوردي ليحيي النظرية الكلاسيكية السياسية، و يبعث القيم و التقاليد التي كانت سائدة قبل مجيء الاتراك، ذلك عبر تغير في البنى السياسية و الاجتماعية على اساس ربط محكم بين السياسة و الشريعة.
و في الحقيقة انه اذا كان الشيزري لم يوفق في احياء الدولة و مؤسساتها على اسس شرعية، فإنه استطاع ان يجمع بين اكثر من تيار و يوحد بين نتاجات فكرية متعارضة، هي في الواقع وليدة الفوضى السياسة و اختلاط الحضارات؛ ففي مناقشة قضية السلطة السياسية و الحكم او الوزارة لم يرق الى المستوى الذي بلغه الماوردي و الغزالي، و استطاع تلمس الحقائق و كاد ينفذ الى العمق لو لا ظروف العصر و غلبة النزعة التطبيقية في الفلسفة الاسلامية؛ فقد كان شائعا خلال تلك الحقبة في اوساط الفلاسفة ذلك اللون الادبي المسمى مرايا الامراء، لاعتباره الاداة الفريدة لصلاح الملك و الدولة، و السبيل الوحيد لاستمرار السلطة بيد الحاكم، و خضوع الرعية له على اساس من القيم و التقاليد الموروثة.