النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ١٦
بأيدي حكام المقاطعات و الأقاليم، و قد قيّد لهؤلاء الحكام (السادة الجدد) أن يقيموا دويلات صغيرة على حساب دولة الخلافة، و امتد نفوذهم إلى أرجاء العالم الإسلامي؛ فقامت الدولة الطاهرية في خراسان (٢٠٥- ٢٥٩ ه) و الصفارية في الهند (٢٥٤- ٢٩٠ ه) و السامانية (٢٦١- ٣٨٩ ه) في بلاد فارس و إيران، و البويهية (٢٥٤- ٢٩٤ ه) في فارس و العراق، الطولونية في مصر و الشام (٢٥٤- ٢٩٢ ه)، و الأخشيدية في مصر (٣٢٣- ٣٥٨ ه) و الفاطمية في مصر و بلاد المغرب (٢٩٧- ٥٦٧ ه) و الغزنوية في افغانستان (٣٥١- ٤٨٢ ه) و السلجوقية في إيران و بغداد (٤٢٩- ٥٨٥ ه).
أن قيام هذه الدويلات هدد و لا شك الدولة المركزية و أضعف الخلافة إلا أنه أسهم في إحياء حضارة إسلامية عربية عظيمة؛ فقد تعددت مراكز الحضارة و انتقلت إلى مناطق متفرقة في العالم الإسلامي، و نشطت العلوم و الفنون و الأداب، فأضحت على سبيل المثال قرطبة و القاهرة و بلاد فارس، إضافة إلى بغداد قبلة العلماء و الأدباء و الشعراء و طلاب العلم. و رغم هذا التقدم الحضاري فقد كان ظهور البويهيين في بغداد مؤشرا خطيرا بسبب ضعف و تفكك سلطة الخليفة و مركزه السياسي، ذلك أنهم استأثروا بالسلطة الفعلية و تركوا فقط للخليفة أن يعيش من اقطاعات قليلة يديرها وزيره أو كاتبه.
و لم تكن الخلافة في عهد السلاجقة أفضل حالا مما كانت عليه في العهد البويهي اللهم إلا في بعض النواحي، فقد نعم الخليفة نسبيا بشيء من الإجلال و التقدير و الإحترام[١] و كان السلطان الجديد يحرص على رضا الخليفة و تأييده ذلك لأن ثمة قاسما مشتركا يجمع بين السلاجقة و الخلفاء العباسسين و هو الإتجاه العقيدي؛ فمنذ دخل السلاجعة الإسلام مالوا إلى السنة و تمسكوا بعقائد المذهب الحنفي- المذهب الرسمي لدولة الخلافة العباسية- و قد واجهتهم منذ بداية عهدهم بالسلطة تحديات كبرى أبرزها: خضوع أجزاء من بلاد الشام و آسيا الصغرى و شمالي أفريقيا لنفوذ الشيعة الفاطميين، و تمدد الإسماعيلية بزعامة الحسن الصبّاح في إيران فضلا عن حملات الصليبيين الفرنجة المتلاحقة، و تهديد
[١] -البنداري الاصفهاني، تاريخ دولة آل سلجوق ص ٢٦- ٢٧.