النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ١٩
حقيقي لواقع الحياة و لكل الظروف السياسية و الاقتصادية و الثقافية و المهنية؛ فالمؤلف هنا يرسم العادات و التقاليد و يحدد قواعد الأدب و طرق تهذيب النفس و أصول التعامل الأخلاقي و يقدمها باسلوب يغلب فيه طابع الوعظ و النصيحة و الإرشاد عبر الحكايات و الحكم و الأقوال المأثورة، و يتخذ الدولة (الملك) منطلقا لمفاهيمه و أفكاره السياسية، فيبحث في ما ينفع الحاكم و يحفظ مصالحه من دون أدنى اعتبار لقيم أخرى أخلاقية و اجتماعية.
أما «سياست نامه»[١] أو (سير الملوك) فهو كتاب في النصح و الارشاد سجل مؤلفه فيه خلاصة تجاربه السياسية و ذكّر بنشاطه الإداري خلال الثلاثين عاما من عهده بالوزارة، و قدمه للسلطان ملكشاه ليكون له مرشدا، و تناول المؤلف عبر فصول كتابه الخمسين المنظمات السياسية و الإدارية داخل الدولة، دون أن يتدخل بتفاصيل العمل في المؤسسات كما جرى الحال في الاحكام السلطانية للماوردي، مقتصرا على تعليم السلطان و ارشاده راسما له المبادىء السياسية العامة لتنظيم الدولة.
و في كتاب «سراج الملوك»[٢] تظهر غلبة الطابع السياسي الاجتماعي و الاخلاقي على الطابع الفقهي الكلامي، و يبدو المؤلف أكثر استيعابا لتجربة الأمة التاريخية و أعمق فهما لظروف الأحداث و واقع العصر، فالمسؤولية السياسية
[١] -ألف نظام الملك في اواخر ايامه باللغة الفارسية كتابه« سير الملوك»، و نقل الى لغات عديدة و له اكثر من ترجمة عربية، و تتوزع موضوعات الكتاب في خمسين فصلا تبحث في قضايا الحكم و الادارة و نظام الطبقات الاجتماعية و رسوم الملك و آداب السياسة و شرائط الوزارة، فالفصل ٤ مثلا خصص لمناقشة موضوع الخراج و الوزارة، و الفصل ٦ لموضوع القضاء و الخطباء، و الفصل ١١ للاوامر السامية و المراسم الملكية، و الفصل ١٨ في استشارة الحكماء، و الفصل ١٩ للمقالات الرسمية، و كان المؤلف خلال مناقشة هذه القضايا ينوه باستمرار بتفوق اساليب الحكم و النظم الادارية الفارسية الساسانية، و بأهمية النظام الاسلامي خلال العهد الراشدي، انظر سياست نامه، تعريب يوسف بكار، دار القدس، بيروت، د. ت.
[٢] -لخص الطرطوشي مفاهيمه السياسية و الاخلاقية في كتابه« سراج الملوك» فصور اخلاق الملوك- و عادات حكام الدول و آداب الوزراء و العمال، و حدد شروط القضاء و آداب التعامل مع الجند.
و وزع مسائله في أربعة و ستين بابا، تحدث على سبيل المثال في الباب الثالث عن الولاة و القضاة، و ذكر خصال السلطان في الابواب ٤ و ٥ و ٦ و في موضوع الوزراء و صفاتهم في الباب ٢٤. و عن سيرة السلطان مع الجند و في الخراج و بيت المال و دواوين الدولة في الباب ٤٦ و ٥٠. و قد كشف المؤلف عن أهمية الكتاب و وجه الحاجة إليه بقوله:« فلا يسمع به ملك إلا استكتبه و لا وزير إلا استصحبه و لا رئيس إلا استحسنه و استوسده عصمة لمن عمل به من الملوك، و اهل الرئاسة، و جنة لمن تحصن به من اولي الامر و السياسة، و جمال لمن تحلي به من أهل الآداب و المحاضرة». انظر: سراج الملوك، طبعة انطون افندي غندور، المطبعة الوطنية بالاسكندرية، ١٢٨٩ ه ص ٧- ٨.