النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ١٠
و استطاع عماد الدين زنكي أيضا أن يواجه التحديات داخل البلاد الأسلامية و يصمد في وجه المؤامرات، و كاد يقضي على أسباب الفوضى و الفتن و المنازعات ضمن مناطق نفوذه، و يحدث نهضة عمرانية و ثقافية عظيمة لو طال به العمر، فقد دبّر السلطان ألب أرسلان السلجوقي ضده مؤامرة أودت بحياته عام ٥٤١ ه/ ١١٤٦ م و هو يحاصر قلعة جعبر، غير أن نجله و خليفته نور الدين زنكي[١] أخذ على عاتقه تنفيذ ما رسمه والده و عمل على تحقيق الحرية و الإستقلال و وحدة البلاد الإسلامية؛ فحارب الصليبيين و قلّم أظافر الشيعة الإسماعيلية، و حدّ من سطوة الاقطاعيين و من نظام الإقطاع العسكري، ثم انتزع دمشق من أيدي طغتكين و قطع وسائط الإتصال بين دمشق و القدس، و حرر بانياس و بصرى و صلخد من نفوذ الإسماعيلية.
و ما من شك أن نور الدين زنكي منذ توليه السلطة وضع نصب عينيه قضية الإسلام و المسلمين؛ ففي الوقت الذي كان فيه القادة المسلمون و حكام الأقاليم يتفقدون أملاكهم و اقطاعاتهم و يسعون لتحقيق استقلالات مزيفة ضمن حدود جغرافية و سياسية ضيقة، كان نور الدين يعمل على تحقيق وحدة شاملة لشعوب الشرق الإسلامية في ظلال دولة الخلافة العباسية السنية، و كان في جميع ذلك يرى أنه ما من أمل في الوصول إلى الغايات ما لم يزل الخطر الصليبي الجاثم على الأرض الإسلامية، و يقضي على الجماعات الشيعية المنتشرة بين مصر و بلاد الشام و فارس.
و الواقع ان أهداف نور الدين زنكي السياسية كانت تسير جنبا إلى جنب مع حركة الاحياء الفكري العقيدي و الثقافي و العمراني؛ فقد شجع العلوم و اسس المدارس و احيا السنة، و انعم على العلماء و الزهاد و الصوفية، و عطف على الفقهاء و اتخذهم مستشارين و أعوانا، و كان أبرزهم قطب الدين النيسابوري، و القاضي
[١] -قا: عن حياة نور الدين زنكي و تاريخه السياسي، البداية و النهاية، ابن كثير، ١٢: ٢٧٧- ٢٨٤.
الكامل في التاريخ، ابن الاثير، ٩: ١٢٤- ١٢٥. تاريخ الشعوب الاسلامية، بروكلمان، ص ٣٢٨.