النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ١٥
نظرة في التحوّلات الفكريّة و السياسية و العقيدية التي رافقت المؤلف
شهد العالم الإسلامي منذ أوائل العصر العباسي الثاني تحولات خطيرة على المستوى الديني و السياسي و الإجتماعي، كادت تعصف بدولة الخلافة و بدين الإسلام لو لا تصدي نخبة من المفكرين للواقع الجديد و صمودهم أمام التحديات الصعبة، و تحمل المسؤولية كاملة إزاء المتغيرات، فرغم محاولات الإصلاح التي قام بها عدد من الخلفاء العباسيين فقد اهتزت الدولة و هدد مركز الخلافة، و تنامت كيانات سياسية متناحرة على حساب الدولة الأم، كالدولة السامانية و البويهية و الحمدانية و الغزنوية و السلجوقية و غيرها، و نشط العمل أيضا بنظام الإقطاع العسكري و ازدادت سلطة الأتابكة.
و منذ عهد الخليفة المتوكل العباسي تدخلت عناصر غير عربيه كالفرس و التركمان و الهنود في شؤون الإدارة و الحكم، و عملوا في دواوين الدولة و مارسوا- خلال عهد المعتصم- السلطة الفعلية و امتلكوا المقاطعات، و سرعان ما امتد نفوذهم و عظم سلطانهم فأثروا في الواقع القائم، و في المفاهيم و العقائد و الأفكار فتطور المجتمع و حدثت نهضة حضارية برزت بوضوح في مختلف ميادين الحياة السياسية و الإجتماعية و الثقافية، و على الرغم من كل ذلك فإن تلك العناصر نفسها كانت معول هدم في دولة الخلافة العباسية السنية من الناحيتين العقائدية و السياسية.
و يعتبر انتشار التركمان داخل الدولة بطريق أو باخرى سببا عظيما في الهزة الكبرى، ذلك أنهم فرضوا تقاليدهم و مفاهيمهم و عاداتهم الغريبة و اسهموا في إزالة هيبة الخليفة الذي صار- خلال حكم الأتابكة و نظام الأقطاع العسكري- العوبة