النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ١٣
الأقاليم و المقاطعات، فضلا عن مشاحنات الصليبيين فيما بينهم، و سياسة آل زنكي و فاعليتها على المستوى السياسي و العقائدي.
أما الحركة العلمية و الثقافية و الدينية فقد نشطت و تهيأت لها[١] أسباب التقدم و الإزدهار خلال العهد الأيوبي؛ فالسلطان صلاح الدين كان نصيرا لفقهاء السنة و حامي الإسلام، كما كان سدا منيعا ضد التيارات الشيعية الفاطمية المناهضة لدولة الخلافة العباسية؛ إستعان بالمستشارين الأذكياء و العلماء الأكفاء نذكر منهم:
«أبو شامة» مؤرخ سيرتي نور الدين زنكي و صلاح الدين الأيوبي في كتاب «الروضتين في أخبار الدولتين»، و قاضي القدس «بهاء الدين بن شداد» الذي التحق بصلاح الدين في أواخر أيامه عام ٥٨٤ ه و أرخ له في كتاب «النوادر السلطانية»، و القاضي الفاضل «العسقلاني» (٥٢٩- ٥٩٦ ه) رجل الإدارة الأول في الدولة الأيوبية الذي دون يوميات رسمية طوال مدة تسلمه لمنصب الوزارة و أعمال الديوان و عماد الدين الأصفهاني صاحب كتاب «الفتح القسي في الفتح القدسي» و كاتب صلاح الدين الخاص المكلف بإعداد الرسائل و توجيهها إلى الأمراء و الولاة، و لعماد الدين هذا مساهمات في إحياء الحركة العلمية و دفع مؤسسات الدولة إلى الأمام بفضل مواهبه و نبوغه و سعة علمه. و يعتبر «اسامة بن منفذ» من أفضل من أرخ و وصف عصر صلاح الدين؛ فقد دوّن في كتاب «الإعتبار» مذكرات دقيقة و موضوعية تنير لنا أحوال البلاد الشامية من النواحي الإقتصادية و الإجتماعية، و تكشف عن علاقة المسلمين بالنصارى، و تصور طبائع الفرنجة و أخلاقهم[٢].
و من المرجح أن يكون كاتبنا واحدا من جملة أولئك الكتاب و العلماء الذين خدموا الدولة الأيوبية، و اتحفوا مكتباتها بمؤلفاتهم القيمة، فقد اتصل المؤلف بصلاح الدين مباشرة أو بطريق غير مباشر، و أهداه كتابين: «النهج المسلوك في سياسة الملوك» و «نهاية الرتبة في طلب الحسبة»، و قد أشار هو نفسه إلى ذلك عندما قال[٣]: «لما كان الملك الناصر صلاح الدنيا و الدين، سلطان الإسلام
[١] -انظر: د. م. الاسلامية، ١٤: ٢٦٦. بروكلمان، تاريخ الشعوب الاسلامية، ص ٣٥٨- ٣٥٩.
[٢] -قا: كتاب الاعتبار، أسامة بن منقذ، تحقيق فليب حتي، الدار المتحدة بيروت، ١٩٨١، ص ١١٥، ١٣٦- ١٤٣، ١٧٠- ١٧٤، ٢٣٢.
[٣] -النهج المسلوك في سياسة الملوك، مقدمة الكتاب.