النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ٢٥
بين المدن الشامية[١] فزار حلب عام ٥٦٥ ه و عاش فيها مدة من الزمن يزاول مهنة الطب حسب ما يذكر فستفلد[٢]، ثم رحل إلى طبرية في فلسطين فتولى الحسبة[٣] و القضاء و الفتيا و عالج المرضى، و له في هذه الميادين كتابان:
«الايضاح في أسرار النكاح» و «نهاية الرتبة في طلب الحسبة» ففي الأول نجده طبيبا حاذقا[٤] يعرف الأمراض و الأعراض و الأدوية و أصول المعالجات، و يعرف الطب العلاجي و الوقائي و يملك قدرة كبيرة في التمييز بين الأمراض المعدية و السارية، و في الكتاب الثاني يظهر ميلا لعلوم الشرع و قدرة نادرة في تنفيذ الشرائع و إقامة الحدود و صون الحقوق الشرعية، و لعلنا نذهل أمام اجتهاداته الفقهية و ما استنه من الأحكام و رسوم القضاء.
و لقد كان عبد الرحمن سنيا على مذهب الشافعي، معاديا لأهل الذمة و الروافض هاجم الباطنية و الملاحدة في أكثر من مناسبة و ندّد بهم و شهّر بمواقفهم، ثم وجه دعوة صريحة للجهاد[٥]، كما كان تواقا إلى العلا و السؤدد و يصبو إلى بلوغ العز و المجد، و يسعى جاهدا و في كل مناسبة للقاء السلطان و الدخول في حضرته. و لما لم يتحقق له ذلك أرضى طموحه بتأليف كتابين هامين قدمهما للدولة الأيوبية، وضع الأول بناء على طلب السلطان صلاح الدين الأيوبي، لخص فيه قواعد للامر بالمعروف و النهي عن المنكر، و كشف السبل الآيلة لتنظيم أمور الحرفيين و الصناعيين و سبل معاشهم. و مؤلفه الثاني إختص بالسياسة و هو كتابنا هذا، و كان الغرض منه تعليم السلطان أصول السياسة و ارشاده لما فيه خير الدولة و سلامة و حسن سير العمل داخل المؤسسات.
شغل الشيزري بالتأليف و التصنيف طيلة حياته، و خاض غمار الحياة مترددا بين مدن الشام طبيبا و قاضيا و محتسبا إلى أن وافته المنية في العام الذي توفي فيه
[١] -مما يدل على ذلك ورود أسماء مدن الشام مثل دمشق، المعرة، و حلب في كتاب الحسبة ص ١٧.
[٢]
Wastehfeld: Geschichteder Arabischen Aczte Und Naturfarsher, p. ٠٠١
[٣] -قا: معجم المؤلفين ٥: ١٩٧- ١٩٨.
[٤] -عن مهارته في مهنة الطب، انظر: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، ص ص ٩٧- ١٠٢.
[٥] -انظر: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، فصل الجهاد، ص ١٠٥.