النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ٢٤٨
فقد حكي[١] ان ملكا من ملوك الفرس جلس على سريره في يوم نوروز[٢] و جعل الناس يهدون له اصناف الهدايا، فدخل عليه الموبذ[٣] و معه طبق[٤] مغطى فأهداه إليه، فلما كشف عنه رأي فيه فحمتين فقال الملك[٥]: ما هذا؟ فقال:
ايها الملك احدهما[٦] باز و الاخر دراجة[٧]، و اني رأيت الباز ارسل خلف[٨] الدراجة (فلم يزل يتبعها)[٩] و هي تطير بين يديه إلى ان أتيا[١٠] أجمة[١١] قد وقعت فيها نار، فحمل الجزع الدراجة على اقتحامها و حمل الباز الحرص على اتباعها[١٢] فاحترقا جميعا، فرأيت ان خير الهدايا هذه الموعظة فاهديتها لك، فاجتنب ايها الملك الافراط في الجزع و الحرص فانهما سائقان إلى الهلكة، فقال الملك: ما أهديت إلي هدية انفع[١٣] من هذه الهدية[١٤].
و متى صنع الملك بخطأ الرأي شيئا فأصاب فيه فلا يعاودنه[١٥] ثانيا طمعا فيما ناله أولا، فإن من وطىء حية مرة فنجا منها جدير[١٦] أن لا يتعرض لها بالوطء مرة أخرى، و اعلم ان كبار اعوان الملك و مشايخ دولته الذين صحبوا اسلافه من الملوك هم اقوى دعائم مملكته، و اثبت اركان دولته، لانهم و ان براهم الزمان بحدّه فقد بقي كرم جوهرهم و محض مودتهم، فهم يزدادون في النصح اجتهادا و في
[١] - انظر: الحكاية في العقد الفريد لابن طلحة، ص ١٧.
[٢] - نوروز: مناسبة يحتفل بها الفرس باستقبال السنة الجديدة، فيفتتح الخراج و تولى الاعمال و تستبدل، و تسك النقود و تذكى بيوت النيران، و تشاد البنيان. انظر: التاج، المنسوب للجاحظ، ص ١٤٨- ١٤٩.
[٣] -الموبذان: ب.
[٤] -طرف: ب.
[٥] -ساقطة: ف؛ ب.
[٦] -احد الفحمتين بازي: ف.
[٧] (*) الدراجة: هو طائر شبيه بالحجل و اكبر منه حجما، له منقار قصير، و يختلط لون ريشه بين السواد و البياض.
[٨] -على: ف.
[٩] - فتبعها: ط. ق.
[١٠] - انتهيا إلى: ف.
[١١] (**) اجمة: جمعها أجم و أجم و أجمات، و معناها الشجر الكثيف الملتف بعضه على بعض.
[١٢] - افتراسها: ط. ق.
[١٣] - ارفع: ف.
[١٤] - ساقطة: ف.
[١٥] - يعاودنه شيئا: م.
[١٦] - فليحذر: م. ط. ق.