النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ٢١٥
و يكشفون لكم اغطية ما لا تعلمون فقد صحبوا لكم الدهور و مارسوا لكم الامور و عرفوا حوادث الازمنة، و اعراضها و اقبالها و إدبارها، فروضوا انفسكم لهم و تجرعوا مراراتهم، فقد قيل: أن من جرعك مرا لتبرأ اشفق عليك ممن جرّعك حلوا لتسقم.
و ينبغي[١] ان لا يدخل الملك في مشورته بخيلا و لا جبانا و لا حريصا و لا معجبا و لا كذابا، لأن البخيل يقصر بعقلك، و الجبان يخوفك ما لا تخاف، و الحريص يعدك ما لا يرجى، فقد كان يقال: البخل و الجبن و الحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن. و قال عبد الملك بن مروان لبعض عماله: لا تستعن في امر دهمك (برأي كذاب)[٢] و لا معجب، فإن الكذاب يقرب لك البعيد و يبعد عنك القريب و اما المعجب فليس له رأي[٣] صحيح[٤] و لا رواية تسلم.
و ينبغي للملك إذا اتى كل واحد بما عنده من الرأي، أن يتصفح اقوالهم و يكشف عن اصولها و اسبابها و يبحث عن نتائجها و عواقبها مع مشاركتهم جميعا في الارتياء و الاجتهاد، و يتوقف[٥] في ذلك و ليحذر مبادرة العمل بالرأي قبل امعان النظر فيه، فقد قيل: اضعف الرأي ماسخ[٦] للبديهة إبتداء (و قيل)[٧]: افضل الرأي ما تكررت الفكرة بعده و احكمت الروية عقده، و كان يقال: كل رأي لم تتمخض به الكفرة ليلة كاملة فهو مولود[٨] لغير تمام.
و قال عبد اللّه بن وهب: دعوا الرأي يغب[٩] ثلاثا فإن غيابه[١٠] يكشف عن
[١] -و كان يقال لا تدخل في مشورتك بخيلا فيقصر بعقلك و لا جبانا فيخوفك ما لا تخاف و لا حريصا فيعدك ما لا يرجى، فإن البخل و الجبن و الحرص طبيعة واحدة: ف.
[٢] -كذبا: ط. ق؛ م.
[٣] -ساقطة: ط. ق.
[٤] -نصح: ف.
[٥] -و ليتوقف: م؛ ط. ف.
[٦] - منح للبديهة ابتداء: م. منح: ب. البديهة ساقطة.
[٧] - و فضلة: ط. ق. و أفضل: م.
[٨] - كمولود: م؛ ط. ق.
[٩] - يغب: ساقطة ب؛ ط. ق؛ س.
[١٠] - عيوبه: س، ب، م.