النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ١٨
الصرح الفلسفي الذي لا زلنا ننهل و نستقي من ينابيعه حتى اليوم، فقد قدر لحضارة القرنين الرابع و الخامس الهجريين أن تستمر ناشطة مزدهرة إلى ما بعد القرن السادس حيث تقاسم الأتابكة امبراطورية السلاجقة و أسسوا دويلات متناحرة في الموصل و الجزيرة و أذربيجان و حلب و الشام و فارس، و أسهم ورثة السلاجقة خلال عهد الإقطاع العسكري (أو حكم الأتابكة) في المحافظة على البناء الثقافي و الحضاري و الديني الموروث، و عملوا جادين في بعث الشريعة و تنشيط العلوم النقلية لا سيما الفقه لتدعيم نفوذهم و بقاء السلطة بأيديهم لأطول مدة ممكنة.
و قد حاول هؤلاء عبر المؤسسات العلمية و الثقافية إيجاد تقاليد أو مفاهيم جديدة تبرر تمركز السلطة بايديهم عن طريق حث العلماء على خلق صيغ بديلة تحقق نوعا من التوافق و التلازم بين السلطة و الشريعة، بعد أن أضحت الشريعة قاصرة عن استيعاب أو تفسير طبيعة المرحلة الجديدة، و بكلمة ثانية، أن المفاهيم الفقهية و الإجتهادات الكلامية الممثلة بمدرسة الفقهاء و النظرية الإسلامية الكلاسيكية لم تعد قادرة على تفسير و توضيح معالم المرحلة الجديدة التي نتجت عن أفول نجم دولة السلاجقة عام ٥٤٧ ه خلال عهد السلطان مسعود، لذلك بات ضروريا إعادة النظر في الكتابات الفقهية و تفسير الشريعة بحيث تستوعب متغيرات الواقع و طبيعة المرحلة الجديدة من تاريخ الأمة، و قد تبلور ذلك بالفعل من خلال كتابات سياسية ذات أصول يونانية و هلينستية و فارسية ساسانية و هندية مثلت المرحلة بدقة و كادت أن تكون تعبيرا صارخا و حقيقيا لمتطلبات العصر، و كان غرضها إصلاحيا نفعيا يكمن في المحافظة على السلطة بيد الحاكم أطول مدة ممكنة، و كانت تلك الكتابات السياسية ذات طابع أخلاقي تعليمي صرف، جاءت في صيغ وصايا و نصائح أخلاقية و أمثال و حكايات و مأثورات، أما أبرز تلك الكتابات فهي «قابوس نامه»[١] و «سياست نامه» و «سراج الملوك» و «سلوان المطاع في عدوان الاتباع» و غيرها من الكتب السياسية و الأخلاقية.
إن هذه المؤلفات هي بمثابة نماذج تصور تلك المرحلة التاريخية و تعبر بدقة عن ثقافة العصر، فقابوس نامه[٢] الذي ألفه الأمير قابوس بن وشمگير تجسيد
[١] -قابوس نامه كتاب ألفه الأمير قابوس بن زيار في أواخر أيامه لخص فيه تجاربه الشخصية و صور واقع-- الحياة، و أهداه لولده و خلفه گيلانشاه ليكون دستورا له و مرشدا و قد وزعه في أربعة و اربعين بابا، يعالج بعضها آداب الملك( الفصل الثاني و الاربعون) و نظام القيادة ٤١، و شرائط الوزارة و الكتابة و آداب المنادمة ٤٧، ٤٨، ٤٩، و ابواب في الزواج و آداب الحمام، و نصائح انوشروان، و تربية الولد ... قا: بكتابنا، مرايا الامراء مع تحقيق قابوس نامه، تحت الطبع.
[٢] -قابوس نامه كتاب ألفه الأمير قابوس بن زيار في أواخر أيامه لخص فيه تجاربه الشخصية و صور واقع-- الحياة، و أهداه لولده و خلفه گيلانشاه ليكون دستورا له و مرشدا و قد وزعه في أربعة و اربعين بابا، يعالج بعضها آداب الملك( الفصل الثاني و الاربعون) و نظام القيادة ٤١، و شرائط الوزارة و الكتابة و آداب المنادمة ٤٧، ٤٨، ٤٩، و ابواب في الزواج و آداب الحمام، و نصائح انوشروان، و تربية الولد ... قا: بكتابنا، مرايا الامراء مع تحقيق قابوس نامه، تحت الطبع.