النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ١٧
البلاد الإسلامية.
إن هذه التحديات التي واجهت السلاجقة، و هم الذين كانوا يجهلون اللغة العربية و حضارة العرب آنذاك، دفعهم منذ البداية إلى اعتناق الإسلام و تبني الحضارة الإسلامية و احياء الشريعة على أساس المنهج السلفي المحافظ و الأخذ بنظم الحكم الفارسية إنطلاقا من اعتقاد سائد انئذ أن للفرس السياسة و الأداب و الحدود و الرسوم[١]. و بنتيجة ذلك سادت حركة بناء الدولة من الناحية السياسية جنبا إلى جنب مع حركة الاحياء العقيدي و الثقافي، فازدهرت العلوم الكلامية و نشط علم الفقه و الحديث و القراءات، و انتشرت دور العلم و مراكز الثقافة في أرجاء العالم الإسلامي، و من مظاهر ذلك تلك النهضة التي بدأها خواجة نظام الملك[٢] فأسس عددا من المدارس بأمر من السلطان ملكشاه السلجوقي ٤٦٥- ٤٨٥ ه/ ١٠٧٢- ١٠٩٢ م عرفت بالمدارس النظامية، و كان منها نظامية بغداد و البصرة و نيسابور و طبرستان و مرو و أصبهان و غيرها، و قد تخصصت تلك المدارس بتعليم الفقه و العلوم الشرعية على المذهب الشافعي، كما نشطت في تعليم مختلف العلوم النقلية و العقلية من حديث و كلام و نحو و لغة و تفسير و قراءات، و ابتنى نظام الملك بيمارستانا بنيسابور و رباطا ببغداد. أما أساتذة النظاميات فكانوا من كبار العلماء المشهورين و القضاة و الفقهاء المتخصصين بالعلوم الشرعية نذكر منهم: أبو إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ ه) و أبو بكر الخجندي (ت ٤٨٣ ه) و إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (٤١٩- ٤٧٨ ه) و أبو حامد الغزالي (٤٥٠- ٥٠٥ ه) و أخوه أحمد، و أبو جعفر محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الصباغ الشافعي (٥٠٨- ٥٨٥ ه) و غيرهم ممن لاقى التقدير و الاجلال لدى الخلفاء العباسيين و سلاطين السلاجقة.
إن السياسة الرائدة التي انتهجها حكام السلاجقة و وزيرهم نظام الملك لجهة تشجيع العلم و العلماء و احياء الفكر الديني السلفي، كان لها و لا شك كبير الأثر في ديمومة الدولة السلجوقية و استمرار الحضارة العربية الإسلامية، و في بناء
[١] -قا: التوحيدي، الامتاع و المؤانسة، القاهرة ١٩٣٩، ج ١، ص ٧٤.
[٢] -انظر: السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ٣: ١٣٧.