النهج المسلوك فى سياسه الملوك - الشيزري، عبد الرحمن بن نصر - الصفحة ١٢
و منذ أن رافق صلاح الدين عمه «شيركوه» في حملة على مصر بأمر من نور الدين زنكي عام ٥٥٩ ه/ ١١٦٤ م تألق نجمه و ظهر فعليا على مسرح الأحداث، سيما و أنه حقق في المرحلة الأولى من حياته نصرا على «ضرغام» حليف «أموري» صاحب بيت القدس، و أزاح «شاور» عن كرسي الوزارة.
و في المرحلة الثانية استطاع بالتعاون مع عمه شيركوه أن يحقق نصرا على شاور نفسه الذي ارتد على الخليفة الفاطمي و استأثر بالسلطة لنفسه.
و في حدود عام ٥٦٤ ه/ ١١٦٩ م و اثر مقتل شاور تولى شيركوه الوزارة لكنه توفي بعد شهرين من تسلمه المنصب الجديد، فآلت الوزارة إلى الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي الذي كان يحظى بتأييد الخليفة العاضد الفاطمي[١].
و بذلك ظهرت عظمة صلاح الدين و فرض نفسه كشخصية تاريخية استطاعت أن تحقق أمرين جوهريين على مستوى العالم الإسلامي، فقد تمكن من توحيد المشرق باحياء السنة و إعادة مصر الشيعية من الفاطمين إلى حظيرة الخلافة العباسية، و استطاع قطع دابر الفتن و المؤامرات التي تدهور السلطة المركزية، كما منع تدخلات الفرنجة اللاتين، و قاوم و انتصر على الغزاة الصليبيين. فالهدف الأول تحقق لصلاح الدين عام ٥٦٦ ه/ ١١٧١ م عند ما أقدم بتأييد من سيده نور الدين زنكي على خلع الخليفة العاضد، و أعلن دخول مصر في حوزة الدولة العباسية، و أمر بذكر اسم الخليفة المستعصي العباسي في الخطبة على المنابر، و تحقق هدفه الثاني بعد موت نور الدين زنكي حين تفرد بالسلطة و وحد المدن السورية بعد أن حرر المدينة تلو الأخرى من سيطرة الصليبيين. و تمكن صلاح الدين ايضا من القضاء على العصبيات و الحركات الدينية في مصياف و جبال النصيرية.
و بالمناسبة يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن صلاح الدين لم يحقق النصر بفضل مقدرته السياسية و حميته لدين الإسلام فحسب، بل أن عوامل عديدة تضافرت و ساعدته على ذلك أبرزها: ضعف و تفكك سلطة الخلفاء الفاطميين و استئثار وزرائهم بالسلطة و انعدام الوحدة بين الولاة المسلمين و تناحر حكام
[١] -قارن عن تطور الاحداث السياسية، ابن الاثير، الكامل في التاريخ حوادث سنة ٥٦٤ ه.