تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٣٠٠ - الثاني من واجبات الإحرام التلبيات الأربع
..........
و دعوى: أن صحيحة البزنطي من جهة اعراض الأصحاب عنها و عدم عملهم بها ساقطة عن الحجية فلا تصلح أن تعارض تلك الطائفتين.
مدفوعة: بما ذكرناه في علم الأصول مفصلا من أن اعراض الأصحاب عن رواية و عدم عملهم بها لا يكشف عن عدم صدورها عن المعصومين عليهم السّلام، فإذا كانت الرواية تامة سندا فهي مشمولة لدليل الحجية، و عدم عمل الأصحاب بها لا يوجب خروجها عنه، باعتبار أن عمدة الدليل عليها إنما هي بناء العقلاء على العمل بأخبار الثقة، و من المعلوم أن بناءهم على العمل بها الممضى شرعا لا يكون مقيدا بعمل المشهور بها، أو عدم اعراضهم عنها.
و قد يقال كما قيل: إن صحيحة الفضيل لا تنافي الطائفة الثانية المتمثلة في صحيحتي معاوية بن عمار و عمر بن يزيد المتقدمتين، بدعوى أن النظر إلى بيوت مكة القديمة يستلزم النظر إلى الكعبة، و لا ينفك النظر إلى احداهما عن النظر إلى الأخرى معللا بارتفاع البيت و علوه.
و الجواب أولا: ما مر من أن المراد من رؤية بيوت مكة القديمة تحديد المسافة بين موقف المعتمر و بين رؤية تلك البيوت و تحديدها بامتداد شعاع البصر الاعتيادي في حالة انبساط الأرض و صفاء الجو و عدم وجود عائق آخر، و هذا ضابط عام لا يزيد و لا ينقص كما هو الحال في حد الترخص، فانه يحدد بامتداد شعاع بصر الواقف في منتهى البلد إلى أن يتوارى المسافر عن عينه شريطة أن تكون الأرض منبسطة و الجو صافيا و عدم وجود عائق في البين و أن تكون عينه من العيون الاعتيادية، و من هنا قلنا أن المراد بالرؤية فيها المعنى الموضوعي دون المعنى النسبي.
و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن المراد بها المعنى النسبي، أي رؤية كل مكلف بلحاظ الحكم المضاف إليه، و مع ذلك لا شبهة في عدم التلازم بين رؤية أول بلد مكة و عمارتها و بين رؤية الكعبة، فانها واقعة في وسط البلدة، فكيف تكون رؤية أول بيتها ملازمة لرؤية الكعبة حتى فيما إذا كانت الكعبة