التربية عند أئمة أهل البيت عليهم السلام - الغرابي، مها نادر عبد محسن - الصفحة ١٠٣ - ١- التربية بالقدوة
يقوم إلاّ على ذكر، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس إذ ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل أحد من جلسائه نصيبه حتى لا يحسب أحد من جلسائه أنّ أحداً أكرم عليه منه، من جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرجع إلاّ بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه خلقه، وصار لهم أباً رحيماً، وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متعادلين، متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون الكبير ويرحمون الصغير, ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
فقلت: كيف كان سيرته في جلسائه؟ فقال: كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب، ولا مزاح ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يؤيس منه ولا يخيب فيه مؤمليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلم إلاّ فيما رجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، وإذا تكلم عنده أحد انصتوا له حتى يفرغ من حديثه، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه, ويصير للغريب على الجفوة في المسألة والمنطق، حتى إن كان أصحابه ليستجلبوهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوزه فيقطعه بنهي أو قيام. قال: فسألته عن سكوت رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال (صلى الله عليه وآله) كان سكوته على أربع: الحلم, والحذر والتقدير، والتفكر: فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس, وأما