قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٦٣ - ذكر ما روينا من الآثار في البيوع و الصنائع و طريقة الورعين من السلف
و قال ابن إدريس في دار ببغداد: يبيع أمرها حتى يردها إلى من فتحها بالسيف قلت: و من أين تقدر على هذا؟ فتبسم و قال: يصير إلى المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم فيسأل عنهم. قال أبو عبد الله: أهل المدينة على مذهب ابن إدريس يقولون: المدينة إذا فتحت عنوة قسمت على من شهدها. قلت لأبي عبد الله: فمن خالفهم؟ قال: عمر بن الخطاب و عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما أوقفاها على المسلمين. قلت لأبي عبد الله: فمن ورث دارا في القطيعة؟ قال: قال ابن إدريس يردها على من شهد القادسية قلت: و هذا هو عندك القول؟ قال: نعم، ما أحسن ما قال. و لكن مثل هذا الذي في أيدينا إنما هي قطائع لو أنّ رجلا أراد أن يخرج مما في يديه كنا نأمره أن يوقفها لأنها فيء. سألت أبا عبد الله عن الكوفة و البصرة: أ ليس افتتحت؟ قال: لا، إنما جاءوا فابتنوا فيها. و أدخلت على أبي عبد الله رجلا فقال: إني ورثت عن أبي أرضين من السواد فقال له: أوقفها على قرابتك، فإن لم يكن فعلى جيرانك. و قيل له أيضا: ورث رجل دارا في القطيعة فقال: يوقفها. ثم قال: السواد فيء للمسلمين رخص في الشراء. قلت لأبي عبد الله: كيف أشتري في السواد و لا أبيع؟ قال: الشراء عندي خلاف البيع، و احتج أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم رخصوا في شراء المصاحف و كرهوا بيعها ابن عباس و جابر بن عبد الله. سئل أبو عبد الله: أيما أحبّ إليك، سكنى القطيعة أو الربض؟ فقال: الربض. قلت لأبي عبد الله: إنّ القطيعة أرفق من سائر الأسواق فقال: أمرها معلوم تعرفها لمن كانت قلت فتكره العمل فيها قد وقع في قلبي منه شيء. فقال ابن مسعود: الإثم حواز القلوب. قلت لأبي عبد الله: فرجل يريد الخروج إلى الثغر و له دار يريد أن يبيعها قال: لا قلت: فإن قال: إنما أبيع النقض، فتبسم و قال: إن رضي المشتري كأنه عنده حيلة ثم قال: قد ورث ابن سيرين أرضا من أرض السواد قلت: فهي رخصة قال: هذا معروف عن ابن سيرين. قال أبو بكر: سمعت أبا عبد الله يقول: أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء و قال: ما أعدل بالفقر شيئا و قال: هذه الغلة ما تكون قوتنا، فأخبرته أنّ رجلا قال: لو أنّ عبد الله ترك هذه الغلة و كان يتصنع صديقا له كان أعجب إلي فقال أبو عبد الله: هذه طعمة سوء أو قال: ردية من تعود هذا لم يصبر عنه ثم قال: هذا أعجب إليّ من غيره. حدثنا عن عبد الله بن نوح السراج قال: قال لي بشر: يا سراج، أنت بعد في القطيعة قلت: نعم قال: أغناك الله عزّ و جلّ عن الدخول إليها. حدثت عن بعض أصحاب بشر قال: وصف لي شيء أتداوى به و قال: ليس تجده إلّا في بستان بني كذا يعني القطيعة فقال: لو كان شفائي فيه ما أردته. محمد بن حاتم قال: سمعت ابن أبي بشر يقول: كنت مع بشر